ظريفا حسن المروءة ، ويضرب بالعود على مذهب الفرس ضربا حسنا ، ولم يكن منزله يخلو من طعام وشراب ، لكثرة من يقصده من إخوانه ، فلما طرق بابه ، قلت : فرجت عني [ هذا ] « 1 » صديقي ، فدخلنا ، وقدم لنا طعاما نظيفا فأكلنا ، وأحضر النبيذ وأحضر جاريته ، فغنت غناء حسنا ، ثم غنت صوتا كانت أخذته من محمد بن الحارث ، من صنعته ، والشعر لابن أبي عيينة : « 2 » [ الكامل ]
ضيّعت عهد فتى لعهدك حافظ * في حفظه عجب وفي تضييعك
إن تقتليه وتذهبي بفؤاده * فبحسن وجهك لا بحسن صنيعك
فطرب محمد بن الحارث ، ونقطها بدنانير مسيّفة « 3 » كانت في خريطته ، ووجه بغلامه فجاءها ببرنية « 4 » فيها غالية فغلفها « 5 » منها ، ووهبها الباقي ، وكان معنا أخ لمحمد بن الحارث يكنّى أبا هارون ظريف طيب ، فطرب ونعر ونخر « 6 » ، وقال لأخيه : والله إني أريد أن أقول لك شيئا في السر ، وأسألك أن تخبرني هل فيه حرج ، قال : قله علانية ، قال : لا يصلح ، قال : والله ما بيني وبينك شيء أبالي أن أقوله جهرا ، فقله ، قال : أشتهي أن تسأل أبا الصالحات أن ينيكني ، فعسى صوتي أن ينصلح ويطيب غنائي ، فضحك أبو الصالحات ، وخجلت الجارية وغطت وجهها .
هامش
( 1 ) الزيادة من الأغاني . [ المراجع ] .
( 2 ) البيتان في الأغاني 12 / 67 .
( 3 ) الدنانير المسيفة : هي الدنانير ذات الجوانب النقية الخالية من النقش ، الخريطة : وعاء من جلد أو غيره يشد على ما فيه .
( 4 ) البرنية : إناء واسع الفم من خزف وزجاج ثخين .
( 5 ) الغالية : الطيب ، غلفها : طيبها .
( 6 ) نعر : صاح وصوت بخيشومه ، نخر : مد الصوت في خياشيمه .