تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكم * يوم الرّحيل فعلت ما لم أفعل
فطرب جرير وجعل يزحف نحوه حتى مست ركبته ركبته ، وقال : لعمري لقد صدقت إنك لأنفعهم لي ، ولقد حسنته وأجدته ، وأحسنت والله ، ووصله وكساه ، فلما رأينا إعجاب جرير بذلك الصوت ، قلنا له : كيف لو سمعت واضع هذا ، قال : وإن له [ ص 67 ] لواضعا غير هذا ؟ قلنا : نعم ، قال : وأين هو ؟ قلنا : بمكة ، قال : فلست بعازم حجا حتى أبلغه « 1 » ، فمضى ومضى معه جماعة ممن يرغب في طلب الشعر في صحابته ، وكنت فيهم ، فقدمنا مكة فأتيناه جميعا ، فإذا هو في فتية من قريش كأنهم المها مع ظرف كثير ، فرحبوا به وأدنوا مجلسه ، وسألوه عن الحاجة ، فأخبرناهم الخبر ، فرحبوا بجرير وأدنوه وسروا بمكانه ، وعظم ابن سريج موضع جرير ، وقال : سل ما تريد ، جعلت فداك ، [ قال أريد ] أن تغنيني لحنا سمعته بالمدينة أزعجني إليك « 2 » ، قال : وما هو ؟ قال :
يا أخت ناجية السّلام عليكم
فغنّاه ابن سريج ، وبيده قضيب يوقع به وينكت ، فوالله ما سمعت شيئا أحسن من ذلك ، فقال جرير : لله دركم يا أهل مكة ، ما أعطيتم : والله لو أن نازعا نزع إليكم ليقيم بين أظهركم يسمع هذا صباحا ومساء ، كان أعظم الناس حظا ونصيبا ، وكيف ومع هذا بيت الله الحرام ، ووجوهكم الحسان ، ورقة ألسنتكم ، وحسن شارتكم « 3 » ، وكثرة فوائدكم . قال إسحاق : كان ابن سريج جالسا فمر به عطاء وابن جريج ، فحلف عليهما
هامش
( 1 ) في الأغاني : ( فلست بمفارق حجازكم حتى أبلغه ) . ( 2 ) أزعجني إليك : دفعني للإسراع إليك . ( 3 ) الشارة : الزي والهيئة .