تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
الجواري ، اندفع معبد يغني الصوت الأول ، فصاح الجواري : أحسنت والله يا رجل ، فأعده ، فقال : لا والله ولا كرامة ، ثم غنّى الثاني فقلن لسيّدهنّ : هذا والله أحسن الناس غناء ، فاسأله أن يعيد علينا ولو مرة واحدة ، لعلنا نأخذ منه ، فوالله إن فاتنا لم نجد مثله أبدا ، فقال الرجل : قد أسلفناه مكروها ، فاصبرن حتى نداويه ، ثم غنّى الثالثة ، فزلزلت عليهم الأرض ، فوثب الرجل فقبل رأسه وقال : يا سيدي أخطأنا عليك ، ولم نعرف موضعك ، وسأله أن يختلط معه ، وسأل : من أين أخذ جواريه الغناء ، فأعلمه ، فقال معبد : وإنك [ ص 61 ] لأنت هو ، فتعرفني ؟ قال : لا والله ، قال : أنا معبد ، وإليك قدمت من الحجاز ، والله لا قصرت في جواريك ، فأكبّ « 1 » على يديه ورجليه ، ثم خلع الرجل عليه عدة خلع ، وأعطاه من وقته ثلاث مئة دينار وطيبا وهدايا ، وانحدر معه إلى الأهواز ، فأقام عنده حتى رضي حذق جواريه ، وما أخذنه عنه ، ثم ودّعه وانصرف إلى الحجاز . قال : قال الوليد بن يزيد يوما : لقد اشتقت إلى معبد ، فوجّه إليه البريد إلى المدينة ، فأتي بمعبد وأمر به فجلس ، والبركة بينهما مملوءة بالخمر والماء وستر مرخى ، فقال : غنّني يا معبد ، فقال : « 2 » [ البسيط ]
لهفي على فتية دان الزّمان بهم « 3 » * فما أصابهم إلا بما شاؤوا
ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم * حتّى تفانوا وريب الدّهر عدّاء
أبكي فراقهم عيني فأرّقها * إنّ التّفرّق للأحباب بكّاء
فغنّاه إياها ، فرفع الوليد السّتر ، ونزع ملاءة مطيّبة كانت عليه ، وقذف بنفسه
هامش
( 1 ) في الأغاني : « فأكبّ الرّجل والجواري » . [ المراجع ] . ( 2 ) الأبيات في الأغاني 1 / 61 . ( 3 ) في الأغاني : « . . . ذل الزمان لهم » قلت : ويصحّ من جهة المعنى : دان الزمان لهم . [ المراجع ] .