تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
وذاك بأنّ النّوم يغشى عيونهم * سراعا ولا يغشى لنا النّوم أعينا « 1 »
إذا ما دنا اللّيل المضرّ بذي الهوى * جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا
فلو [ أنّهم ] كانوا يلاقون مثل ما * نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا
قال : فأخذ الغناء بقلبي ، ولم يدر لي منه حرف ، فقلت : يا جارية ما أدري أوجهك أحسن أم غناؤك ؟ فلو شئت أعدت ، قالت : حبا وكرامة ، ثم اندفعت فغنّته ، فوالله ما دار لي منه حرف ، فقلت : أحسنت فلو تفضلت فأعدته مرة أخرى ، فقطّبت وكلحت « 2 » وقالت : ما أعجب أحدكم ! لا يزال يجيء إلى الجارية عليها الضريبة فيشغلها ، فضربت يدي إلى ثلاثة الدراهم فدفعتها إليها ، وقلت لها : أقيمي بها وجهك اليوم إلى أن نلتقي ، فأخذتها كالكارهة وقالت : أنت الآن تريد أن تأخذ مني صوتا ، أحسبك ستأخذ عليه ألف دينار وألف دينار ، قال : : واندفعت تغني ، فأعملت فكري في غنائها حتى بان لي الصوت وانصرفت مسرورا إلى منزلي أردّده حتى خفّ على لساني ، ثم إني لما خرجت أريد بغداد ، دخلتها فنزل بي المكاري على باب المحوّل « 3 » ، ولا أدري أين أتوجه ، ولا من أقصد ، فمازلت أمشي مع الناس حتى أتيت الجسر ، فعبرت ثم انتهيت إلى الشارع بالميدان ، فرأيت مسجدا بالقرب من دار الفضل بن الربيع مرتفعا ، فقلت : مسجد قوم سراة ، فدخلته وحضرت صلاة المغرب فصلّيت ، وأقمت مكاني حتى صليت [ ص 53 ] العشاء الآخرة على جوع وتعب ، وانصرف أهل المسجد ، وبقي رجل يصلي خلفه جماعة من الخدم وخول « 4 »
هامش
( 1 ) في الأغاني : « وذاك لأن النوم . . . وما يغشى . . . » [ المراجع ] . ( 2 ) كلحت : عبست ( 3 ) المحول : محلة كبيرة بجنب الكرخ كانت متصلة بالكرخ أولا ، وهي بليدة حسنة طيبة نزهة كثيرة البساتين والفواكه والأسواق والمياه ، بينها وبين بغداد فرسخ ( ياقوت : المحول ) . ( 4 ) في الأصل ( وفحول ) وهو تحريف ، والخول : العبيد والإماء وغيرهم من الحاشية .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 114 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام