تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
قال أبو الفرج : كان حسن السمت « 1 » ، كثير الصلاة ، قد أخذ السجود في جبهته « 2 » ، وكان يعتم بعمامة سوداء ، على قلنسوة ، ويلبس لباس الفقهاء ، ويركب حمارا مرّيسيّا « 3 » في زي أهل الحجاز ، فبينما هو واقف على باب يحيى بن خالد يلتمس الاذن عليه ، إذ أقبل أبو يوسف القاضي بأصحابه أهل القلانس « 4 » ، فوقف ابن جامع إلى جانبه فالتفت اليه أبو يوسف ، فرأى سمته وحلاوة هيئته ، فقال له : امتع الله بك ، توسمت فيك الحجازية ، قال : أصبت ، قال : فمن أي قريش ؟ قال : من بني سهم ، قال : فأي الحرمين منزلك ؟ قال : مكة ، قال : فمن لقيت من فقهائهم ؟ قال : [ سل ] عمّن شئت ، ففاتحه في الحديث فوجد عنده ما أحبّ ، فأعجب به ، ونظر الناس إليهما فقالوا : هذا القاضي قد أقبل على المغني ، وأبو يوسف لا يدري أنه ابن جامع ، فقال أصحابه : لو أخبرناه عنه ، ثم قالوا : لعله لا يعود إلى مرافقته بعد اليوم ، فلم نغمّه ، فلما كان في الإذن الثاني ليحيى ، غدا عليه الناس ، وغدا عليه أبو يوسف ، فنظر ابن جامع ، فلما رآه ذهب فوقف إلى جانبه ، فحادثه كما فعل [ في المرة الأولى ] فلما انصرف قال له بعض أصحابه : أيها القاضي ، أتعرف هذا الذي ترافقه وتحادثه ؟ قال : نعم ، رجل من قريش من أهل مكة من الفقهاء ، قالوا : هذا ابن جامع المغني ، قال : إنّا لله ، قالوا : إن الناس قد شهدوا مرافقته « 5 » فأنكروا ذلك من فعلك . فلما كان الإذن الثالث ، جاء أبو يوسف ونظر إليه فتنكّبه ، وعرف ابن جامع أنّه قد [ ص 52 ]
هامش
( 1 ) حسن السمت : أي حسن القصد والمذهب في دينه ودنياه ، والسمت : اتباع الحق والهدى وحسن الجوار وقلة الأذية ( اللسان : سمت ) . ( 2 ) في الأغاني : « قد أخذ السجود وجبهته » [ المراجع ] . ( 3 ) مريسي : نسبة إلى مريسة ، قرية بمصر وولاية من ناحية الصعيد ، إليها تنسب الحمر المريسية وهي من أجود الحمير وأمشاها . ( معجم البلدان : مريسة ) . ( 4 ) القلانس : جمع قلنسوة ، لباس للرأس مختلف الأنواع والأشكال . ( 5 ) في الأغاني : « قد شهروك بمواقفته وأنكروا ذلك من فعلك » [ المراجع ] .