تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
ينتظرون فراغه ، فصلّى ملّيا ، ثم التفت فقال لي : أحسبك غريبا ، فقلت : أجل ، فقال : متى كنت في هذه المدينة ، فقلت : آنفا ، وليس لي بها منزل ولا معرفة ، وليست صناعتي من الصنائع المذكورة لأهل الخير ، قال : وما صناعتك ؟ قلت : الغناء ، فوثب مبادرا ، فدخل ووكل بي بعض من معه ، فسألت الموكّل بي فقال : هذا سلام الأبرش « 1 » ، قال : فانتهى إلى قصر من قصور الخليفة وجاوز بي من مقصورة إلى مقصورة ، حتى أدخلني إلى مقصورة في آخر الدهليز ، ودعا بطعام ، فأتيت بمائدة عليها طعام من طعام الملوك ، فأكلت حتى امتلأت ، فإني كذلك إذ سمعت ركضا من الدهليز وقائلا يقول : أين الرجل ؟ قال : ها هو ذا ، قال : ادعوا له بغسول وخلعة وطيب ، ففعل بذلك بي ، وحملت على دابة إلى دار الخليفة ، فعرفتها بالتكبير والحرس والنيران ، فجاوزت مقاصير « 2 » عدة ، حتى صرت إلى دار قوراء « 3 » فيها أسرة في وسطها قد أضيف بعضها إلى بعض ، قال : فأمرني الرجل بالصعود ، فصعدت ، وإذا رجل جالس عن يمينه ثلاث جوار في حجورهن العيدان ، وفي حجر الرجل عود ، فرحّب الرجل بي ، وإذا مجالس خالية ، كان فيها قوم قد قاموا عنها ، فلم ألبث أن خرج خادم من وراء الستر ، فقال للرجل : تغنّ ، فانبعث يغنّي بصوت فيه لي وهو : « 4 » [ البسيط ]
لم تمش ميلا ولم تركب على قتب * ولم تر الشّمس إلا دونها الكلل
تمشي الهوينى كأنّ الشمس توحشها * مشي اليعافير في جيآته الوهل « 5 »
هامش
( 1 ) سلام الأبرش : خدم المنصور وتولى المظالم للمهدي ، وعاصر الهادي والرشيد ( الطبري حوادث سنة 234 ) . ( 2 ) في الأصل ( مقاصيرا ) وهو لحن . والمقاصير : جمع مقصورة وهي حجرة خاصة مفصولة عن الغرف المجاورة فوق الطابق الأرضي . ( 3 ) الدار القوراء : الواسعة الجوف . ( 4 ) الشعر للأعشى في الأغاني 6 / 335 وفي ديوان الأعشى ص 253 ( نشرة أدولف هلز هوسن ط بيانه 1927 وصور في بيروت سنة 1993 ) مع خلاف في الرواية . ( 5 ) اليعافير : الظباء . الوهل : الخوف والفزع .