تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
أنذر ، فجاء حتى وقف وسلم عليه ، فرد أبو يوسف بغير ذلك الوجه الذي كان يلقاه [ به ] ، ثم انحرف عنه ، فدنا منه ابن جامع ، وعرف الناس القصة ، وكان ابن جامع جهيرا ، فرفع صوته ثم قال : يا أبا يوسف ، مالك تعرض عنّي ؟ أي شيء أنكرت ؟ قالوا لك إني ابن جامع المغني فكرهت مرافقتي « 1 » ، أسألك عن مسألة فاصنع « 2 » ما شئت ، وأقبل الناس نحوهما مستمعين ، فقال : يا أبا يوسف ، لو أن أعرابيا جلفا وقف بين يديك ، فأنشدك بجفاء وغلظ من لسانه ، فقال وحكى الأعرابي : « 3 » [ البسيط ] .
يا دار ميّة بالعلياء فالسّند * أقوت وطال عليها سالف الأبد
أكنت ترى بذلك بأسا ؟ قال : لا ، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سماع الشعر ، وقد روي عنه الحديث . قال ابن جامع : فإن قلت [ أنا ] هكذا ، ثم اندفع يغني فيه حتى أتى عليه ، ثم قال : يا أبا يوسف ، رأيتني زدت فيه أم نقصت ؟ قال : عافاك الله ، اعفنا من هذا ، قال : يا أبا يوسف ، أنت صاحب فتيا ، هل زدته أم حسّنته بألفاظي فحسن في السمع ، ووصل إلى القلب . ثم تنحّى عنه ابن جامع . قال : دعا الرشيد يوما جعفر بن يحيى ، وابن جامع عنده ، فلم يزل يغنّيهم يومهما ، ثم انصرفا ، فلما كان من الغد ، دخل إبراهيم الموصلي على جعفر بن يحيى ، فسأله عن يومه فقال له : إنّه لم يزل ابن جامع يغنّينا إلا أنه كان يخرج عن الإيقاع - وهو في قوله هذا يريد أن يطيب نفس إبراهيم - قال ، فقال إبراهيم : أنت تريد أن تطيب نفسي بما لا تطيب ، ألا بالله ما ضرط ابن جامع منذ ثلاثين سنة إلا بإيقاع ، فكيف يخرج عن الإيقاع في الغناء ؟
هامش
( 1 ) في الأغاني : « مواقفتي لك » [ المراجع ] . ( 2 ) في الأغاني : « ثم اصنع ما شئت » [ المراجع ] . ( 3 ) البيت مطلع قصيدة للنابغة الذبياني في ديوانه من 76 تحقيق ابن عاشور ، ط الشركة التونسية 1976 .