تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 551

مساهمون:

ص٥٥١
الحرام ، وزار النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، وكان إذا أتى المدينة الشريفة لزم المسجد وأكثر الصلاة . ولم يزل على رتبته ومكانته حتى سعي عليه عند تنكيز نائب الشام ، وغير عليه خاطره ، هذا إلى ما كرهه منه من قوة النفس ، وكثرة الجرأة والإقدام ، فعزله عن الرياسة ، وحطّه عن رتبته ، وأغري بذمته ، والتنقّص به ، وقام عبد المولى اليهودي لعناده ورماه سليمان بالبرص ، وكشف فلم يصح قوله فيه ، وولي عوضه جمال الدين محمد ابن الشهاب الكحال ، فجرت بينهم عواصف ، وتمت بينهم مع تعمّد الظلم مناصف ونامت على بغضاء تنكز له الأيام والليالي ، ثم عطفته عليه عاطفة الرضا ، فأقبل عليه كل الإقبال ، واستصحبه في سفرة كنت فيها إلى جهة غزة ، وأتينا بأنواع من الطعام فيها من السمك واللبن ، فقلنا له من أيهما نأكل ؟ . فقال : أنا طبيبكم وكلوا مما آكل . ثم أكل من السمك ، وأكلنا معه حتى كاد يشبع ، ثم ترّد خبزا في اللبن ، وأكل منه بالملاعق ، وأكلنا معه ، ثم قال : علينا بالمصلح . فقلنا : ما هو ؟ . فقال : العسل . فأتينا به ، فلعق منه لعقا كثيرا ، ولعقنا معه ، ثم مكث ساعات ، ثم أمر فعملنا شرابا من السكر والليمون ، فشرب وشربنا معه ، ثم قال : علمنا اليوم بطب الهند . قالوا : أما أن يكون أحدهما أبرد من الآخر أو هما سواء في الدرجة ، فإن كان أحدهما أبرد من الآخر فالآخر مصلح له ، فإن كانا سواء في الدرجة كنا كمن أكل من شيء واحد ، واستكثر منه . . . . ثم طلب الأمين سليمان إلى باب السلطان ولحق به لتطبيب القاضي علاء الدين ابن الأثير كاتب السر - رحمه الله تعالى - من فالج أصابه ، فجاء وطبّبه فلم ينجع ، وسعى لأمر فما أنجع ، ولم يقع من السلطان بموقع ، ولا لقي أطباء الحضرة ، بما يجب ، فتقهقر وذمّ وأعيد إلى دمشق مبرقع الوجه بالخجل ، خائب الظنة والأمل . ثم عقد له مجلس بحضرة تنكز لدواء وصفه