تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 549

مساهمون:

ص٥٤٩
وطيب ، وخده مصقول السوالف ، وطرفه إما ساحر أو سائف ، ولأهل بلده به فتون ، وفي كمده فتون ، والدنيسري قد اعتلقه ، وخيل إليه دوام الحياة بقربه ، فاعتنقه . قال : وكان على هذا لا يخلو منه للحكماء ملعب ، ولا للعلماء ندي فضل به يستوعب ، فلما صارت إليه الرياسة وسارت به النفاسة قال بعض حسّاده : [ الكامل ]
يا معشر الحكماء لا تتسخّطوا * لعظيم ما قد تمّ في ذا العالم
هذا سليمان بن داود الذي * نال الرياسة دونكم بالخاتم
قلت : وإنما نيح القمر وعارض أدنى البحر ، وهيهات أن تغطي السماء بالسحاء ، أو يضارّ في رؤيته ذو نظر ، فلقد كان فردا في الزمان منقطع القرين ، معدوم النظير ، شارك في الحكمة ، وبرّز في علم الطب ، وصار علما فيه ، وتقدّم باستحقاق وألقي عليه القبول ، ومال إليه الحقير والجليل ، واقتصرت على طبه الأكابر ، ومالت إليه العلماء وأثنى عيه شيخنا ابن الزملكاني ، وحصلت بينه وبين ابن الوكيل منافرة ، ثم اتفق لابن الوكيل أن ركّب للأفرم نائب الشام سفوفا « 1 » يعينه على الهضم ، ويسهله ، فلما أخذ منه الأفرم أفرط به الإسهال ، ووثب مماليك الأفرم بابن الوكيل ليقتلوه ، فأتى الأمين سليمان وكفهم عنه ثم دخل على الأفرم ، واعتبر إعراضه ، ثم أعطاه أمراق الفراريج ، وشرع في إعطاء المسهلات له ، واستفرغه حتى كمل إخراج تلك المادة التي اندفعت ، ثم أعطاه المقبّضات والممسكات ، فبرأ وأفاق . قلت : إنما أعطاه أولا المسهّلات مع وجود الإسهال ، لأنه رأى السفوف قد هيج مادّة رديّة ، ولم يتم اندفاعها ، وإن انحباس بقيتها مفسد للبدن ، فاستعمل
هامش
( 1 ) : كل دواء يؤخذ غير معجون فهو سفوف ، بفتح السين ، مثل سفوف حبّ الرّمان ونحوه ، والاسم السّفّة والسّفوف . واقتماح كل شيء يابس سفّ ؛ والسّفوف : اسم لما يستفّ .