تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
المهذب السامري عمه ، وكان لا يطمع في معاضلته ، ولا يقدر على مناضلته ، إلا أنه قتل نفسه بحمقه ، وتبرد بالنار من حرقه ، ولم يزل منذ أخذ في الطلب يترقى ويبرّز بين المعامل ولا يتوقى ، حتى تسنّم ذرى الوزارة ، وغلط طيفها في غفلة الحلم وزاره ، فتصدى للأموال حتى صادها ، وأقام على الأعيان أرصادها ، إلا أنها فرّت من شباكه ، وأنفت أن تستقر في أملاكه ، ثم كان آخر ما حمله عليه الهوج « 1 » ، وطلب به استقامة حاله من العوج ، أنه أقيم من الدست الذي لم يقدّمه أحد إلى صدره ، ولا جزي به بعد طول الحبس على عاقبة صبره ، ثم أخذ وشنق ، وكان قد أبرم بيده حبل سعادته فخنق . قال ابن أبي أصيبعة : " كان له الذكاء الذي لا مزيد عليه ، والعلم الذي لا يصل سواه إليه ، والإنعام العام والإحسان التام ، والهمم العالية ، والآلاء المتوالية . قد بلغ من صناعة الطب إلى غاياتها ، وانتهى إلى نهاياتها ، وفاز بمحصولها ، وأتقن علم فروعها وأصولها ، حتى قلّ له المماثل ، وقصر عن معانيه كل فاضل . كان أولا عند الأمجد « 2 » صاحب بعلبك طبيبا ، فلما توفي بدمشق ، استقلّ أمين الدولة بالوزارة العمادية ، فساس أحسن السياسة ، وبلغ في التدبير نهاية الرياسة ، وثبت قواعد الملك ، وأبّدها ، ورفع مباني الفضل وأيدها ، وجدّد معالم العلم والعلماء ، وأوجد من الفضائل ما لم يكن لأحد من القدماء ، ولم يزل عالي القدر نافذ الأمر ، مطاع الكلمة ، كثير العظمة ، إلى أن ملك دمشق الملك الصالح أيوب ، وجعل نائبه بها [ معين الدين ] ابن شيخ الشيوخ ، وأعطى الصالح إسماعيل بعلبك ، فانتقل إليها ، وبقي وزيره بدمشق ، وقد جمع له ولصاحبه أموالا عظيمة جدا ، أخذها من أهل دمشق ، بموافقة القاضي الرفيع الجيلي ، فاتّفق
هامش
( 1 ) : الهوج ، محركة : طول في حمق وطيش وتسرّع . ( 2 ) : مجد الدين بهرام شاه ابن عز الدين فرخشاه بن أيوب .