تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 485

مساهمون:

ص٤٨٥
قال ابن أبي أصيبعة : " كان علاما بالطب ، حسن المعالجة لطيف التدبير ، فيلسوفا من المشار إليهم في العلم ، متقنا للغة الهند ، ولغة الفرس ، وهو الذي نقل كتاب " شاناق " في السموم - إلى الفارسية ، وكان في زمان الرشيد ، وأتى العراق في أيامه ، ثم عرف العربية فكان ينقل إليها . ومن أخبار الخلفاء أن الرشيد اعتلّ علّة صعبة لم يجد فيها طب الأطباء ، فقال له أبو عمر الأعجمي : يا أمير المؤمنين ! ، بالهند طبيب يقال له : منكه هو أوحد عبّادهم وفلاسفتهم ، فلو بعثت إليه لعلّ الله يهبك الشفاء على يده . فجهّز من وصله صلة تعينه على سفره ، وحمله إليه ، فعالجه فبرأ فأجرى عليه رزقا واسعا ، وأموالا كافية ، ثم بينما هو مارّ بالخلد « 1 » ، إذا هو برجل قد بسط كساءه وألقى عليه عقاقير كثيرة ، وقام يصف دواء معجونا . فقال : هذا دواء لكذا وكذا ، وعدّد أسقاما كثيرة ، وأدواء مختلفة ، حتى لم يدع عارضا إلا ذكر أن ذلك الدواء شفاؤه . فتبسّم منكة ثم قال : على كل حال ملك العرب جاهل ، لأنه إن كان الأمر على ما يقول هذا فما الذي حمله على أن حملني من بلادي إليه ، وأبعدني عن أهلي ، وتكلّف الكثير من مؤونتي ، وهو يجد هذا نصب عينيه ، وإزاء ناظره ؟ . وإن كان على غير ما يقول فلم لا يقتله لأن الشريعة قد أباحت دم هذا ومن أشبهه لأنه إن قتل إنما هي نفس يحيا بموتها أنفس ، وإن ترك وهذا الجهل قتل كل يوم أنفسا ، وهذا فساد في الذهن ، ووهن في الملك . 2
هامش
( 1 ) : الخلد : بضم أوله وتسكين ثانيه : قصر بناه المنصور أمير المؤمنين ببغداد بعد فراغه من مدينته على شاطىء دجلة في سنة 159 هجرية ، وكان موضع البيمارستان العضدي أو جنوبيه ، وبنيت حواليه منازل فصارت محلة كبرى عرفت بالخلد ، والأصل فيها القصر المذكور ، وكان موضع الخلد قديما ديرا فيه راهب ، وإنما اختار المنصور نزوله وبني قصره فيه لعلة البق ، وكان عذبا طيب الهواء لأنه أشرف المواضع التي ببغداد كلها . انظر : معجم البلدان لياقوت الحموي 2 / 382 .