إلا من زبره « 1 » ، والسهام لا تقطع آراؤها الصائبة قطع سيوفه ، ولا تحزّ حزّ إبره ، تقبيلا يؤدي حقّ شكره ، ويوفي بعض نذره ، ويولي القبل قبلة إحسانه ، ويوصي بنيه بأداء ما في ذمّته وفرضه ، وعجز عن ذكره بلسانه ، وينهي ورود المثال العالي ، فقام المملوك له ووقف على قدمه ، ووقف لديه معرضا لخدمه ، ونظر إليه فبهت ، وحاول شكر أدنى معروفه فصمت ، واستظلّ بظل غمامته ، واستقلّ سرورا بسلامته ، واستقبل الدهر برفع ملامته ، وتأمل كرمه ومدّ يده إلى مدامته ، وأفضى منه إلى فضاء ملؤه الكرم ، ورسيله البحر وتلوه الدّيم « 2 » ، فترامى المملوك عليه ، وكرع في غدير تلك الصحيفة وأمن به ، وقد أوجس « 3 » البرق في نفسه خيفة ، وبايع مؤديه الرشيد لما رأى لمهدي مهديّه خليفة ، وقلب وجهه في سماء ذلك السماح ، وقلبه في سراء تلك المواهب التي لو جاراها البحر قالت له : إياك والطّماح « 4 » ، وجبنه في نعماء تلك النعم التي خطت إليها الرياح وتخطّت الرماح ، واستبق مضمونه ، ولسان محضره في وصف ندي عهده وكرم لم يزل يعد منه يدا مجدده ، وهدى فرق به النحر لما أبصر فرقده ، ومعروف ما برحت تعرف به الأعلام ، وتصرف بالفتاوى الأقلام ، وتشرف القبل بالتهاوي إلى مواطن الأقدام ، وتلك صدقات مولانا التي شملت من شهد علمه الشريف باستحقاقه ، ولهذا أطلق فيه رسن قلمه ، ونبّه له ، وسن طرفه من حلمه ، وأذن له في الإفتاء الذي آن لأن يشرق في أفقه بدره الطالع ، ويشرق « 5 » بغصص حدّه
هامش
( 1 ) : الزّبر : قطع الحديد .
( 2 ) : الدّيم : جمع ديمة ، وهي السحابة .
( 3 ) : الوجس : كالوعد ، الفزع يقع في القلب أو السمع من صوت وغيره .
( 4 ) : الطّماح : أي الجماح .
( 5 ) : يشرق : من قولهم شرق إذا غصّ .