ولا شكت الوجاء إليه أقدام القرّاء .
طلع صباحا ، وسطع مصباحا ، وأتى في زيّ تاجر جاء بمتاع ، فكانت فرائد الدرّ راهون أعلاقه « 1 » ، وكتم نفسه وضوء الشمس لا تخفي لوامع إشراقه .
نزل بدار ابن هلال ، ودارة الهلال أحق بموضعه ، وطلع دمشق وأفق السماء أولى بمطلعه ، وتردّدت إليه العلماء ، وسعت إليه العظماء ، وأقام ينشر العلوم ، ويمدّ جناح الفضائل على العموم ، ويعلم في علم الأوائل أن القطب عليه دار ، وأن الطوسي وإن نشر جناح الطاووس عجز عنه لما طار ، وأن الآمدي امتدّ معه فقصّر في المضمار « 2 » ، وأن الفارابي لم ينجّه منه إلا الفرار ، وأن ابن سينا ما يجيء سينة من حروفه ، وهي حمل الفقار .
هذا ، إلى علوم شرعية ، وفهوم لوذعية « 3 » ، ومعرفة بالفقه على مذهب الشافعي ، يجمع بين قوليه ، ووجوه للأصحاب ناضرة ناظرة إليه ، واختلاف في طرف الخراسانيين والعراقيين تتفرق ، وتجتمع عليه مع علم حديث ما ابن شهاب « 4 » فيه عنده إلا . . . . كالأعمش « 5 » ، وعربية ما الجاحظ لديه فيها إلا كالأخفش ، وحقيقة ما صاحب كل طريقة بالنسبة إليها معه إلا واقف في مجاز ،
هامش
( 1 ) : العلق : النفيس من كل شيء ، وجمعه أعلاق .
( 2 ) : المضمار : غاية الفرس في السباق .
( 3 ) : اللوذع ، واللوذعي : الخفيف الذكي ، الظريف الذهن ، الحديد الفؤاد ، واللّسن الفصيح ، كأنه يلذع بالنار من ذكائه .
( 4 ) : ابن شهاب الزهري ، محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب ، من بني زهرة ، أول من دوّن الحديث الشريف ، وأحد أكابر الحفاظ والفقهاء ، تابعي من أهل المدينة ، توفي سنة 124 هجرية .
انظر ترجمته في : تذكرة الحفاظ 1 / 102 ، ووفيات الأعيان لابن خلكان 1 / 451 ، والأعلام للزركلي 7 / 97 .
( 5 ) : سليمان بن مهران الأسدي ، الملقب بالأعمش ، تابعي مشهور ، أصله من بلاد الري ، ومنشؤه ووفاته