سقى قبره الوضّاح مثل بنانه * سكوب الغوادي لا تغيب هتونه « 1 »
يضاحكه بالسفح بارق ليله * تغازله تحت الظلام جفونه
فهل بعد هذا اليوم يدّخر الفتى * بكاء عزيزا عنده لا يهينه
أرى الخطباء اليوم بعدك ألبسوا * حدادا عليهم في الملابس جونه « 2 »
أرى منصب الحكم العزيز تضاءلت * معاليه وارفضّت عليك متونه
أرى المنبر العالي استكنّ لما به * وكان به فوق السّها « 3 » مستكينه
أرى قلم الإفتاء قد فات وقته * وكان نظير الغصن تجبى فنونه
أرى منطق التدريس أخرس نطقه * وأصبح إن قال ، النهى « 4 » لا تبينه
أرى مجلس التصدير أقوت رحابه * ولم يرض إيداع الصدور حنينه
لقد أغلق التصنيف أبواب كتبه * وأغفت لأحداث الزمان عيونه
فمن للمرجّي خاب ما كان يرتجي * ومات أريحي كريم يعينه
لعمرك ما يجدي الحنين على امرئ * تحطّ بأكناف القبور ظعونه
تمهّل به يا حامل النعش إنه * يقطّع أصلاب الرجال شطونه « 5 »
وهل يعلم الآتي إلى لحده به * بأن الهلال المستنير دفينه
لقد عطّل الدست الرحيب إمامه * وفارقه مأمونه وأمينه
وو الله إن الموت أكرم نازل * بحرّ ولا يقضي عليه غبونه
فهل ساكن في الدهر ليس يسوؤه * ومستأمن للدّهر ليس يخونه
هامش
( 1 ) : الهتون : السحاب الماطر .
( 2 ) : الجون : في الأصل النبات يضرب إلى السّواد من خضرته ، والأحمر ، والأبيض ، والأسود .
( 3 ) : السّها : كوكب خفيّ من بنات نعش الصغرى .
( 4 ) : النّهى : أي العقول .
( 5 ) : شطونه : أي بعد مراميه ، وصعوبة الوصول إليه ، من قولهم : " بئر شطون : أي بعيدة القعر " .