تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
بعد أن صرف جلال الدين عن القضاء ، وأتى قوصون ، وكان قوصون لا يرى إلا أنه ولد له ، فلما أتاه قام له وأكرمه ، وقال له : قد جئت إليكم لأجتمع بالسلطان في مصلحة له ، ولكم ، ما أمكنني إخفاؤها عنكم . فقام قوصون لوقته وعرّف السلطان بمجيئه ، وبما قال ، فأكبر السلطان مجيئه وقال : قل له يعرفنا بالمصلحة التي رآها . فقال له ، فقال : اعلم أن هذا القاضي جلال الدين قاض كبير مشهور في الشرق والغرب ، وقد زوج بناتكم ، وزوّجكم ، وأثبت كتب أملاككم وأوقافكم ، وحكم لكم أحكاما كثيرة ، ومتى عزل هكذا وخلّي بلا قضاء مع كونه لم يعجز ، ولا بلغ به الكبر ، حصل بهذا التطرق إليه ، وإذا تطرّق إليه انتقض عليكم جميع ما حكم لكم به . وقال له من هذا ومثله ما بلغه إلى السلطان ، فقال : صدق الشيخ ، ولّوه قضاء الشام كما كان ، فأمر له به ، وجهّزه إليه ، فأقام به مدة ، وتنكز لا يبش به ، ولا يمكنه منعه . ثم حصل له استرخاء وفالج أبطله ؛ فاستناب ولده الخطيب عنه في كل ما ولّاه السلطان ، وبقي يراجع في جلائل الأمور إلى أن مات ، ودفن بمقابر الصوفية . وهو ممن أخذت عنه علم المعاني والبيان . وقلت أرثيه ، وكتبت بها إلى ولده الخطيب بدر الدين محمد : [ الطويل ]
أحقا بأن البحر خف معينه * وأن وقور الطود خف رزينه
أحقا بأن السيف أغمد حدّه * بطيف كرى ليست تنام جفونه
أحقا بأن الشمس غاب ضياؤها * وقد بان من بدر التمام جبينه
أحقا بأن النوء أقلع نائيا * وآلى يمينا « 1 » لا تجود يمينه
أحقا بأن الدّرّ آن ابتذاله * وأهوى من الجفن القريح « 2 » ثمينه
هامش
( 1 ) : آلى : أي حلف يمينا . ( 2 ) : القريح : أي الجريح .