المشتار « 1 » ، ونمى عدد الفضلاء ، وطمي « 2 » مدد الفضل في ذلك الفضاء ، وتزاحمت الملوك على خطبته ، واستزارته من خطته ، وهو بذروة ذلك الجبل ممتنع ، وبيسير ذلك البلل مقتنع ، ودأبه في زيادة علوم ، وإفادة خصوص وعموم ، وأيامه بالفضائل مشحونة ، ولياليه من الرذائل مصونة .
ثم أتاه أجله ، وحل عليه من دين البقاء مؤجّله ، فاتّصلت تلك الروم الزكية بعالمها ، وخلصت من ظلم الدنيا ومظالمها .
قال ابن أبي أصيبعة « 3 » : " هو إمام العلماء ، وسيد الحكماء ، قدوة الأنام ، شرف الإسلام . قد تميّز في العلوم الحكمية ، وحرّر الأصول الطبية ، وأتقن الأحكام الشرعية ، ولم يزل دائم الاشتغال ، جامعا للفضل والإفضال .
وكان شيخه الإمام فخر الدين ابن خطيب الري « 4 » ، وهو من أجلّ تلامذته ، ومن حين وصل الشام اتصل بخدمة الملك الناصر [ صلاح الدين ] داود بن المعظّم « 5 » ، وأقام عنده بالكرك ، وكان عظيم المنزلة عنده ، وله من الإحسان
هامش
( 1 ) : أي : المشتري .
( 2 ) : طمي : من قولهم طمى الماء يطمي طميا إذا علا ، والنبت : طال ، والبحر : امتلأ . القاموس مادة طمى .
( 3 ) : عيون الأنباء 648 .
( 4 ) : مرت ترجمته أول الكتاب .
( 5 ) : الملك الناصر : داود بن الملك المعظم عيسى بن محمد بن أيوب ، الملك الناصر صلاح الدين :
صاحب الكرك ، وأحد الشعراء والأدباء ، ولد ونشأ في دمشق ، وملكها بعد أبيه سنة 626 هجرية ، وأخذها منه عمه الأشرف . فتحول إلى الكرك ، فملكها إحدى عشرة سنة ، ثم استخلف عليها ابنه عيسى سنة 647 هجرية ، فانتزعها منه الصالح أيوب بن عيسى في هذه السنة ، فرحل الناصر مشردا في البلاد ، وحبس بقلعة حمص ثلاث سنوات ، ثم أقام في حلة بني مزيد ، وتوفي بقرية البويضاء بظاهر دمشق ، سنة 656 هجرية . وكان كثير العطايا للشعراء والأدباء ، له عناية بتحصيل الكتب النفيسة . وله شعر ، جمعت رسائله في كتاب : " الفوائد الجلية في الفرائد الناصرية " .
انظر ترجمته في : صبح الأعشى 4 / 175 ، وفوات الوفيات 1 / 156 ، والأعلام للزركلي 2 / 334 .