تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
مثل هذا من القاضي الرفيع ، عرف عليه ، فصار ذوو المال يأتونه قبل افتعال الحجج فيقدمون له ما يختص به ، فيسكت عنهم ، فإذا ذكرهم الأمين الخائن له دافع عنهم ، فأوغر ذلك صدره ، وكدّرله ورده وصدره ، حتى حالت به الحال ، وآل إلى ما آل " . وحكى لي شيخنا الإمام أبو الثناء محمود الحلبي الكاتب قال : " حدّثني شيخنا قاضي القضاة ابن خلكان قال : كان الرفيع ذا كرم وسخاء ، وكان جاريه « 1 » لا يقوم ببعض كفايته ، فكان يتجشم البلايا ولقد ألجأته الضرورة إلى أن باع مرة عمامته ، وأنفق ثمنها ؛ فلما أصبح وأراد الركوب إلى موكب السلطان ، استعار ما لبسه وركب به . قلت : وقد رأيت كتبا كثيرة من كتب الأملاك والأوقاف ، وفيها إسجالات على القاضي الرفيع ، فلما اتصلت تلك الكتب بمن بعده من القضاة وصلوها إليهم بمن كان قبل الرفيع ، وأضربوا عنه ، فلم ينفذ له حاكم جاء بعده حكما إلا كتابا واحدا كان في وقف مدرسة بالمدينة الشريفة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التحية - ، وأظن أنه إنما سومح فيه لتيقن براءته من غرض في ذلك ، إذ كان جهة بر ، ولم يكن هو أول من حكم به ، ولا أول من نفذ حكم من حكم به ، ومع هذا لم أر من كبار أهل هذا الشان إلا من عجب منه ، وأحببت التنبيه على ذلك ليعرف عند الحاجة لئلا ينسى بتطاول المدد . 2
هامش
( 1 ) : أي : مرتبه .