تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وجادت له السحب الرواء دفاقا ، فطنّبت شمسه على السماء رواقا ، وتطلّبت فواضله للنفاق أشواقا ، ثم حلّ لدن المعظم شرف الدين عيسى فحل بيت شرفه ، وحلّ مكانا في مقاعد غرفه ، ثم لم يتحوّل من أفقه ، ولا أضاء له ضوء نهار إلا بين أصيله وشفقه . قال ابن أبي أصيبعة : " كان أوحد زمانه في العلوم الحكمية ، وعلّامة وقته في الأمور الشرعية . عارفا بأصول الطب وغيره ، حسن الصورة ، كريم النفس ، كثير الحياء ، محبّا لفعل الخير ، ملازما للصلاة والصيام ، وقراءة القرآن . اتصل بالملك المعظّم عيسى « 1 » ، فعرف فضله ، وقرّر له الراتب ، وقرأ عليه الطلبة ، وانتفعوا به ، وكان حسن العبارة ، قويّ البراعة ، فصيح اللسان ، بليغ البيان ، وافر المروءة ، ظاهر الفتوة . أخذ عن القطب المصري « 2 » ، وأخذ المصري عن الإمام الرازي . ثم ولّاه المعظّم قضاء الشام . وكان عظيم التواضع ، لطيف الكلام ، يمشي إلى الجامع الأموي لأداء فرائض الصلوات في أوقاتها ، ولم يزل على هذا حتى توفي في سنّ الشباب « 3 » ، في سابع شعبان سنة تسع وثلاثين وستمائة .
هامش
( 1 ) : الملك المعظّم سلطان الشام ، شرف الدين عيسى بن العادل الحنفي الفقيه الأديب . ولد بالقاهرة سنة ست وسبعين وخمسمائة ، وحفظ القرآن ، وبرع في الفقه ، وشرح الجامع الكبير في عدة مجلّدات ، بإعانة غيره ، وسمع المسند كله للإمام أحمد ، وله شعر كثير ، وكان عديم الالتفات إلى النواميس وأبّهة الملوك ، وكان من النجباء الأذكياء . توفي يوم الجمعة مستهل ذي الحجة بدمشق سنة أربع وعشرين وستمائة من الهجرة ، ودفن في قلعة دمشق . انظر ترجمته في : وفيات الأعيان لابن خلّكان 3 / 494 - 496 ، والعبر 100 / 5 ، وتاريخ الإسلام 63 / 185 - 189 ، والبداية والنهاية 13 / 121 ، وشذرات الذهب 7 / 201 - 203 . ( 2 ) : مرت ترجمته أول الكتاب . ( 3 ) : كذا في الأصل المخطوط ، وقال ابن أبي أصيبعة : " توفي بحمّى الدق المعروفة بالسخونة العالية ، وذلك بدمشق في سابع شهر شعبان ، سنة سبع وثلاثين وستمائة " . انظر : عيون الأنباء 646 - 647 .