" وجميع طرق مكاسب الدنيا تحتاج إلى فراغ لها ، وحذق فيها ، وصرف الزمان إليها ، والمشتغل بالعلم لا يسعه شيء من ذلك ، وإنما ينتظر أن تأتيه الدنيا بلا سبب ، وتطلبه من غير أن يطلبها طلب مثلها ، وهذا ظلم منه وعدوان . ولكن إذا تمكن الرجل من العلم ، وشهر به ، خطب « 1 » من كل وجه ، وعرضت عليه المناصب ، وجاءته الدنيا صاغرة ، وأخذها وماء وجهه موفور ، وعرضه ودينه مصون .
" واعلم أن للعلم عقبة وعرفا ينادى على صاحبه ، ونورا وضياء يشرق عليه ، ويدلّ عليه ، كتاجر المسك لا يخفى مكانه ، ولا تجهل صناعته ، وكمن يمشي بمشعل في ليل مدلهم « 2 » . والعالم مع هذا محبوب أينما كان ، وكيفما كان . لا يجد إلا من يميل إليه ، ويؤثر قربه ، ويأنس به ، ويرتاح بمداناته " .
" واعلم أن العلوم تغور ثم تفور في زمان ، بمنزلة النبات أو عيون المياه ، وتنتقل من قوم إلى قوم ، ومن صقع إلى صقع « 3 » " .
وقال : " وإياك والهذر « 4 » ، والكلام فيما لا يعني . وإياك والسكوت في محل
هامش
( 1 ) : أي أن الرجل أو العالم المتمكن من علمه يكون أبدا مطلوبا لا طالبا ، مطلوبا من أهل الدنيا وأهل الآخرة ، وهذا ما تشهد له الأحوال في كل وقت . فما استغنى عالم عن الدنيا واشتغل بعلمه مخلصا النية في طلبه إلا وأتته الدنيا وأهلها وما فيها طالبة خادمة له . وما طلب عالم الدنيا بعلمه إلا أذله الله بين أهلها ، وحرمه بركة علمه ، وحبط عمله ، في الدنيا ، وكان وبالا عليه في الآخرة ، وكان من أول من تسعر بهم النار ، عافانا الله من ذلك ورزقنا الإخلاص في القول والفعل والعمل بجاه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
( 2 ) : يقال : ادلهمّ الظلام : كثف واسودّ ، مدلهمّ : مبالغة . القاموس مادة ادلهمّ .
( 3 ) : الصّقع ، بالضم : الناحية . " القاموس مادة صقع " .
( 4 ) : الهذر : يقال : هذر كلامه : كثر في الخطأ والباطل ، والهذر : الكثير الرديء ، أو سقط الكلام .
( القاموس مادة هذر ) .