تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
أما ياسين فوجدته محاليا كذابا ، يشهد للشاقاني بالكيمياء ، ويشهد له الشاقاني بالسيمياء ، ويقول عنه : إنه يعلم أعمالا يعجز موسى بن عمران - عليه السلام - عنها ، وأنه يحضر الذهب المضروب متى شاء ، وبأي مقدار شاء ، وبأي سكة شاء ، وأنه يجعل ماء النيل خيمة ويجلس فيها وأصحابه تحتها . وكان ضعيف الحال . وجاءني موسى فوجدته فاضلا في الغاية ، قد غلب عليه حب الرياسة ، وخدمة أرباب الدنيا ، وعمل كتابا في الطب جمعه من " الستة عشر " لجالينوس ، ومن خمسة كتب أخر ، وشرط أن لا يغير فيه حرفا ، إلا أن يكون واو عطف أو فاء وصل « 1 » ، وإنما ينقله فصولا يختارها . وعمل كتابا لليهود سماه : " كتاب الدلالة " ، ولعن من يكتبه بغير القلم العبراني . ووقفت عليه ، فوجدته كتاب سوء يفسد أصول الشرائع والعقائد بما يظن أنه يصلحها . وكنت ذات يوم بالمسجد وعندي خلق كثير ، فدخل شيخ رثّ الثياب ، نيّر الطلعة ، مقبول الصورة ، فهابه الجمع ، ورفعوه فوقهم ، وأخذت في إتمام كلامي . فلما تصرّم المجلس ، جاء إمام المسجد وقال : أتعرف هذا الشيخ ؟ . هذا أبو القاسم الشارعي . فاعتنقته ، وقلت : إياك أطلب ، فأخذته إلى منزلي ، وأكلنا الطعام ، وتفاوضنا الحديث ، فوجدته كما تشتهي النفس ، وتلذّ العين . سيرته سيرة الحكماء العقلاء ، وكذا صورته ، قد رضي من الدنيا بالقليل ، لا يتعلق بشيء منها يشغله عن طلب الفضل ، ثم لازمني ، فوجدته قيما بكتب القدماء ، وكتب أبي نصر الفارابي ، ولم يكن لي اعتقاد في هؤلاء لأني كنت أظن أن الحكمة كلها حازها ابن سينا ، وحشاها كتبه ، فكنا إذا تفاوضنا الحديث أغلبه بقوة الجدل ، وفضل اللسن ، ويغلبني بقوة الحجة ، وظهور المحجة . وأنا لا تلين قناتي لغمزه ، ولا أحيد
هامش
( 1 ) : في الأصل المخطوط : " فاصل " .