تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
عن جادة الهوى والتعصب برمزه ، فصار يحضرني « 1 » شيئا بعد شيء من كتب أبي نصر ، والإسكندر ، وثامسطيوس ، يؤنس بذلك نفاري ، ويلين عريكة شماسي « 2 » ، حتى عطفت عليه أقدّم رجلا وأؤخر أخرى . وشاع أن صلاح الدين هادن الفرنج ، وعاد إلى القدس . فقادتني الضرورة إلى التوجه إليه ، فأخذت من كتب القدماء ما أمكنني ، وتوجّهت إلى القدس ، فرأيت ملكا عظيما يملأ العين روعة ، والقلوب محبة ، قريبا بعيدا ، سهلا محببا ، وأصحابه يتشبهون به ، يتسابقون إلى المعروف ، كما قال الله تعالى :
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ
« 3 » وأول ليلة حضرته ، وجدت مجلسا حفلا بأهل العلم ، يتذاكرون في أصناف العلوم ، وهو يحسن الاستماع والمشاركة ، ويأخذ في كيفية بناء الأسوار وحفر الخنادق . ويتفقه في ذلك ، ويأتي بكل معنى بديع ، وكان مهتما في بناء سور بيت المقدس وحفر خندقه ، يتولى ذلك بنفسه ، ويحمل الحجارة على عاتقه ، ويتأسى به جميع الفقراء والأغنياء ، والأقرباء والضعفاء ، حتى العماد الكاتب ، والقاضي الفاضل ، ويركب لذلك قبل طلوع الشمس إلى وقت الظهر ، فيأتي داره ، فيمد السماط فيأكل ويستريح ، ويركب العصر ، ويرجع في المساء ، ويصرف أكثر الليل في تدبير ما يعمل نهارا . فكتب لي صلاح الدين ثلاثين دينارا كل شهر ، على ديوان الجامع ، وأطلق لي أولاده رواتب حتى تقرّر لي في كل شهر مائة دينار . ورجعت إلى دمشق وأكببت على الاشتغال وإقراء الناس بالجامع ، وكلما أمعنت في كتب القدماء ازددت فيها رغبة ، وفي كتب ابن سينا زهادة ، واطّلعت
هامش
( 1 ) : في الأصل المخطوط : " يجذبني " ، والصواب من عيون الأنباء . ( 2 ) : من " شمس الفرس شموسا وشماسا : منع ظهره - أي نفر وجمح - " القاموس مادة شمس . ( 3 ) : سورة الأعراف - الآية 43 .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 145 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام