تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
معدودة ، ومحصلة محدودة . وجميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياء ، ولا تنقص ولا تزيد . وأولها اللفظ ثم الإشارة ثم العقد ثم الخط ثم النصبة ، الحال التي تسمى نصبة . والنصبة هي الحال الدالّة التي تقوم مقام تلك الأصناف ، ولا ينقص عن تلك الدلالات . ولكل واحدة من هذه الخمسة صورة بائنة عن صورة صاحبتها ، وحلية مخالفة لحلية أختها . وهي التي تكشف عن أعيان المعاني ، ثم عن حقائقها في التفسير وأجناسها وأقدارها ، وخاصها وعامّها ، وطبقاتها في السارّ والضارّ . والبيان نصر والعيّ عمى ، كما أن العلم بصر والجهل عمى . والبيان من نتاج العلم ، والعيّ من نتاج الجهل . وقال يونس بن حبيب : ليس لعيّ مروءة ، ولا لمنقوص البيان بها . ولو حلّ بنا فوجّه أعنان السماء . قال : وأما الإشارة باليد وبالرأس وبالعين وبالحاجب وبالمنكب وبالثوب وبالسيف . وقد يتهدّد رافع السوط والسيف ، فيكون ذلك زاجرا رادعا ، ويكون وعيدا أو تحذيرا . والإشارة واللفظ شريكان ، ونعم العون هو له ونعم الترجمان . وما تعذر الإشارة أن تكون ذات حلية موصوفة ، وصورة معروفة . وفي الإشارة بالطرف والحاجب وغيرهما من الجوارح موفق كبير ، ومعونة حاضرة في أمور يسترها بعض الناس من بعض ، ويخفونها من الجليس وغير الجليس . ولولا الإشارة لم يتناهم الناس ولجهلوا هذا الباب البتّة . وقد قال الشاعر : [ الطويل ]
أشارت بطرف العين خيفة أهلها * إشارة مذعور ولم تتكلّم
فأيقنت أن الطّرف قد قال مرحبا * وأهلا وسهلا بالحبيب المسلّم
هذا ومبلغ الإشارة أبعد من مبلغ الصوت ، والصوت آلة اللفظ ، وهو الجوهر الذي يقوم به التقطيع ، وبه يوجد التأليف وحسن الإشارة باليد والرأس من تمام حسن البيان باللسان . وقد قال الشاعر : [ الطويل ]
إذا نحن خفنا الكاشحين فلم نطق * كلاما تكلّمنا بأعيننا سرّا
فنقضي ولم يعلم بنا كلّ حاجة * ولم تظهر الشكوى ولم نهتك السّترا
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 366 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام