تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
النظر ، ومن عادة الخوض ، ومن ملابسة صغار الناس وحضور ألفاظهم الرديّه الساقطة ومعانيهم الفاسدة ، وأخلاقهم السيئة وجهالتهم المذمومة لكان في ذلك السلامة . ولو لم يكن في ذلك إلّا أنه يشغلك عن سخف البيت وعن اعتياد الراحة لقد كان في ذلك على صاحبه أسبغ النعمة وأعظم المنّة . وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى : قال المهلب لبنيه في وصيته : يا بنيّ لا تقوموا في الأسواق إلا على زاد أو وراق . وقال شيخ : قرئ عليك ما أثر غطفان ذهبت بالمكارم إلّا من الكتب . وقال غيره : غبرت أربعين سنة ما قلت ولا بتّ ولا اتّكأت إلا والكتاب موضوع على صدري . وقال ابن الجهم : إذا استحسنت الكتاب ، ورجوت منه الفائدة ، فلو تراني وأنا ساعة بعد ساعة أنظر كم بقي من ورقة مخافة استفادة وانقطاع المادّة وإن كان الدفتر عظيم الحجيم ، وكان الورق كثير العدد . والإنسان لا يعلم حتى يكثر سماعه ، ولا بدّ أن تصير كتبه أكثر من سماعه ، ولا يجمع حتى يكون الاتفاق عليه ممّا لعدّته . ومن لم يكن نفقته التي تخرج من الكتب ألذّ عنه من إنفاق عساق « 1 » والمستهزءين بالبنيان لم يبلغ في العلم مبلغا . وقال إبراهيم بن السندي : وددت أن الزنادقة لم يكونوا حرصا على المعالي بالورق النقي الأبيض ، وتخيّر الحبر الأسود والخطّ الجيّد فإنني لم أركورق كتبهم ورقا ، ولا لخطوطهم خطّا . وإني غرمت مالا عظيما مع حبّي للمال ونغصي للعزم لأن سخاء النفس بالإنفاق على الكتب دليل على شرف النفس ، وعلى السلامة من شكر الآفات . وقال أبو عمرو بن العلاء : ما دخلت على رجل قطّ ، ولا مررت ببابه فرأيته ينظر في دفتر وجليسه فارغ إلا اعتقدت أنه أفضل منه وأعقل .
هامش
( 1 ) عساق : عسق به : أولع به . اللسان 9 / 207 .