تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
ولقد رأيت جماعة من أصحابه وكلّهم فضلاء ، وكل واحد يقول : ما يتقاصر الشيخ أبو علي الشلوبيني عن الشيخ أبي علي الفارسي ، ويغالون فيه مغالاة زائدة . وقالوا : فيه مع الفضيلة غفلة وصورة بله في الصورة الظاهرة ؛ حتى قالوا : إنه كان يوما على جانب نهر وبيده كراريس ، فوقع منه كرّاس في الماء ، وبعدت عنه فلم تصل يده إليها ليأخذها ، فأخذ كراسة أخرى وجذبها ، فتلفت الأخرى بالماء . وكان له مثل هذه الأسباب الدالة على البله . وشرح المقدمة الجزولية شرحين كبيرين . وله كتاب في النحو ، سمّاه التوطئة . وكانت إقامته بإشبيلية ، وأخباره متواصلة إلينا ، وتلامذته واردة في كل وقت ، وبالجملة ؛ فإنه على ما يقال كان خاتمة أئمة النحو ، وكانت ولادته بإشبيلية سنة اثنتين وستين وخمسمئة ، وتوفي في آخر الربيعين ، وقيل في صفر سنة خمس وأربعين وستمئة بإشبيلية « 1 » . ومنهم :

15 - أبو القاسم المغربي « 13 »

وهو محمد بن أحمد بن الموفق الأنصاري الأندلسي المرسي . رجل حظّه موفور ، وسعيه غير مكفور . ركب البحر من بلده حين ضاق به جانب ذلك البرّ ، وساءه طول المقام وأضرّ ؛ فطارت به فتحا لا يردّ من جماحها ، ولا يعد فضل جناحها . سمت به في أمواج كالجبال ، وأفواج كقطع الجمال ؛ حتى ألقاه البحر إلى الساحل ، وآذى به السفر المراحل . وجعل الشام دار مقامه ، ودواء أسقامه ، ثم رحل مشرقا وجمع شتيت العلم مفرقا . وكان لا يعدّ الغربة إلا وطنه ، والغلّة « 2 » إلا إذا ورد ماء بلده ، أو سكنه . وهو معدود في أهل الحديث الشرقي ؛ إذ قدم إليه أول ما عنّ تمائمه وريش قوادمه .
هامش
( 13 ) ترجمته في : بغية الوعاة 1 / 23 ، ومعجم المؤلفين 8 / 94 . توفي سنة 668 ه . ( 1 ) وفيات الأعيان 3 / 451 . ( 2 ) الغلّة : شدة العطش . اللسان ( غلل ) 10 / 106 .