تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
وهيئته . وإذا سمعت كلامه ظننته عاميّا لا يفقه شيئا . وكان مع ما شاع من فضله مشتهرا بلعب الشطرنج . وكان رؤساء زمانه ووزراء وقته يودّون مجالسته ، ويتمنون محاضرته ، فيتركهم ويمضي إلى حريف « 1 » له زنجي قبيح الصورة سمج الألفاظ ، يعرف بشنشل ، فيجلس معه على قارعة الطريق في بعض الدكاكين ، ويلاعبه ويسافهه ، ويهزأ به ، أو يمضي إلى الرحبة أو شاطىء دجلة فيقف على الخلق وأرباب الحكايات والشعبذة وما ناسبهم ؛ فكان إذا لاموه على ذلك يقول : إنه يندر منهم نوادر لا يكون أحسن ولا ألطف منها ، وصحة قرائحهم وتصدّيهم لما هم بصدده . وكان مع ذلك لا يخلو كمّه من الكتب وأنواع العلوم . فكان بينما هو يمشي في الطريق يخطر له قراءة شيء ، فيجلس كيف اتّفق ، ويخرج الدفاتر فيطالع فيها . وكان يعتم العمّة فتبقى أشهرا معتمة حتى تتسخ أطرافها من عرقه فتسودّ . وكان إذا رفعها عن رأسه ثم أراد لبسها تركها على رأسه كيف اتفق . فتارة عدّيتها تلقاء وجهه ، وتارة عن يمينه وتارة عن شماله فلا يغيّر . فإذا قيل له في ذلك ، قال : ما استوت العمّة على رأس عاقل ، هذه كانت حجته . وكان الوزير ابن هبيرة « 2 » يلومه على تبذله فلا يلتفت إليه ، ولا يتغيّر عن سجيّته . وما حلّت عليه ودام لا يصغي للائم ، ولا ينقاد لمناف ولا ملائم . ومن نوادره [ أنّ ] بعض من كان يحضر مجلسه ، قال له يوما : القفا ، يقصر ، أو يمدّ ؟ ومنها : أن الكمال عبد الرحمن الأنباري لمّا صنّف كتاب ( الميزان ) في النحو ، وعرض على ابن الخشاب ، قال : احملوا هذا الميزان إلى المحتسب ففيها عين « 3 » . ومنها : أنه كان يوما في داره في وقت القيلولة ، والحرّ شديد وقد نام ؛ إذ طرق الباب عليه
هامش
( 1 ) حريف : حريف الرجل : معامله في حرفته . اللسان ( حرف ) 3 / 130 . ( 2 ) هو أبو المظفر عون الدين يحيى بن هبيرة ، استوزره المقتفي ، توفي سنة 560 ه . ( 3 ) عين : العين في الميزان : الميل ، وهو أن ترجح إحدى كفتيه على الأخرى . اللسان ( عين ) 9 / 504 .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 122 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام