تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
عليهما في التعليم ، فلمّا أفضى الأمر إلى المستضيء رضي ابن الخشاب أن يخلص منه رأسا برأس ؛ وذلك أنه كان يظهر منه تفضيل أخيه عليه ، فلم يذكره بنفسه . قال العادل مسعود بن يحيى بن النادر : كنت يوما بين يدي المستضيء فقال لي : كلّ من نعرفه قد ذكرنا بنفسه ، ووصل إليه برّنا إلا ابن الخشاب ، فما خبره ؟ فاعتذرت عنه بعذر ، أقصاه الحال ، ثم خرجت فعرّفت ابن الخشاب ذلك . فكتب إليه هذين البيتين : [ الكامل ]
ورد الورى سلسال جودك فارتوى * فوقفت دون الورد وقفة حاتم
ظمآن أطلب خفّة من زحمة * والورد لا يزداد غير تزاحم
قال ابن النادر : فأخذتها منه وعرضتها على المستضيء ، فأمر له بمائتي دينار . فقال : لو زادنا لزدناه . وأنشد لنفسه : [ الكامل ]
أفديه من متعتّب متجنّب * قد ضنّ حتّى بالخيال الطّارق
ما زال يمطلني بوعد كاذب * حتّى تكشّف عن صدود صادق
واجتمع جماعة من الحنابلة بمسجد ابن شافع ، يسمعون كتاب ابن مندة في فضائل أحمد بن حنبل ومحنته في القرآن ، وما جرى له مع الخلفاء من بني العباس ، فذمّومهم ولعنوهم ، وذمّوا فلانا وفلانا . وكان الكتاب يقرأ على ابن الخشاب ، فأنكر عليهم إنسان دمشقي فقيه ، وقال : هذا لا يجوز يلعنون أئمة المسلمين وفقهاء الدين . فقاموا إليه وسبّوه ، وهمّوا به . ووصل الخبر إلى الخليفة ، فتقدم إلى حاجب الباب يأخذهم ، وأخذ ابن الخشاب وأن يركبوا بقرا ويشهروا في البلد . فقبض على جماعة منهم ، وهرب ابن الخشاب ، فلحق بالحلة إلى أن شفع فيه ، فعاد ، فقال ابن الخشاب في غيبته : [ الوافر ]
إذا دار السّلام نبت بمثلي * فحبّبت السّلامة والسّلاما
ولا جرت الصّبا إلا سموما * وهبّت [ من ] سحائبها شماما « 1 »
هامش
( 1 ) شماما : ما يشتمّ من الروائح الطيّبة . اللسان ( شمم ) 7 / 205 .