تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 750

مساهمون:

ص٧٥٠
حتى نفضت كواكبهم عن مقلها الكرى ، ورفضت سحائبهم إلا مواصلة السرى إلى أن كثر العلم وطالبه ، وعدّ ذو الفضل وصاحبه ، بكرم لله درّه ما أغزره ، وجود ما أقل لديه جدا البحر وما أنزره ، لو عاصره حاتم وهو ( ص 328 ) في الكرم لما ذكره ، أو كعب بن مامة « 1 » وقد سمع حتى يخص جناحه لما شكره ، بندى يغص به البحر شرقا ، ويتفصّد جبين السحاب عرقا ، ويتهيبه البرق فترتعد فرائصه فرقا ، ويخشى صوائبه الرعد فيتعوّذ ولا تنفعه الرقى ، هذا كله وهو بعض ما في كرم سجاياه ، وأقل ما في كثير مزاياه ، هذا إلى جبين كالهلال ، ووقار عليه سيماء الجلال ، وأدب أعذب في القيل من الماء الزلال ، وأطيب في المقيل من برد الظلال ، بنوادر أحرّ من الجمر ، وألعب بالعقول - استغفر الله - من الخمر ، حذا على طريق سلفه العرب ما قصّرت عن مداه الأوائل ، واستجدت من نداه النائل ، وطرّف علمه منه بمقدار ما أعانه على التفسير الذي أسكت عارضة كلّ قائل ، وغير هذا من انتزاع المثل وإقامة الدلائل ، ثم سرح إلى حيث يسرح الطرف ويذوب الظرف ، ويلمّ بنادي المتيميّن ، وينزل بوادي سّلف أهل الصبابة المغرمين ، ويخالط تلك العصابة في كيسها ، ويذكر حديث ليلى وقيسها ، لطائف لو أنها لأهل ذلك الزمان السالف لما قالوا الأسمار إلا في طرائف طرائفها ، ولا قالوا في سمرات الحيّ إلا في ظل وارفها ، ولا زادوا من ربيع ابن أبي ربيعة إلا بعض زخارفها ، ولا عدوّا جميلا إلا ما نشر من فضل مطارفها ، ولا رجعوا عنها إلى مذهب جرير في أوبة ، ولا ختموا غزل الأناشيد بتوبة ، كل ذلك تطرّف أدب غض الجنى ليس منه إلا إطراب السامع ، وتنويع مالا إثم فيه إذا قيل في فضله الجامع ، هو والله الجامع الذي لا تضاهى بيوت عبادته المساجد ، ولا تساهر مقل قناديلها ( ص 329 ) طرفة الهاجد ، ولا تضم ضلوع محاريبها مثل صدره ، ولا يشتمل أحناء عقودها
هامش
( 1 ) حاتم هو الطائي ، وكعب بن مامة الأيادي سبقت ترجمتهما في هامش ص 37 من هذا الكتاب .