تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 554

مساهمون:

ص٥٥٤
والعجال ، إتقانا للمواليد والوفيات ، والتكميل والفوات ، والجرح والتعديل بالأمور الظواهر والخفيّات ، وصنّف الكتب التي ما شنّف بمثلها قبله أذن الدنيا مشنّف ، ولا صنف مثله قبلها مصنّف ، سعة معرفة لا يضيق بها حصر ، ولا يضيع في جانبها أهل عصر ، مع اطلاع على اللغة آنس به غريبها ، وحبس عليه عريبها « 1 » ، بمعارف قصرت مدته عن تحصيلها ، وجملته عن تفصيلها ، إلا أن الله سهّل له صعابها ، وهوّن عليه أتعابها ، فبلغ منها ما لم يصل إليه أمل آمل ، ونبغ فيها وأنبه أهل زمانه معه خامل ، إلا أنه كان ظاهر الجمود ، لا يتكلم كأنه جلمود « 2 » ، ولم يكن فيه وحاشاه ما يعاب ، ولا ما يدنّسه من قبح العاب « 3 » ، إلا أنه كان يتهوّس بالمطالب والكنوز ، ويتفّرس أنه لها بمساعيه يحوز ، وكان يتبذّل لأجلها مع العوام ، ويقتحم بسببها الموت الزؤام « 4 » ، ولا يدع نفسه النفيسة ، ويدعّ عنها أطماع هذه الخسيسة ، وهيهات لقد ظفر من حديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بمطلب لا يفنى ، وذهب خلاص لابل أين الذهب من ذلك الجوهر الأسنى ، فوا أسفا لرتبته العليا ، ووالهفا كيف ضيّع وقتا من أوقاته بطلب سحت « 5 » الدنيا . . « 6 »
هامش
( 1 ) عريبها : أي فصيحها . ( 2 ) الجلمود : الصخر . وهذه خصلة حسنة امتدحها ابن حجر فيه فقال ( قليل الكلام جدا حتى يسأل فيجيب ويجيد ولا يغتاب أحدا ) انظر الدرر الكامنة 4 / 458 . ( 3 ) العاب : العيب . ( 4 ) الموت الزؤام : السريع . المعجم الوسيط 1 / 387 . ( 5 ) السحت : الحرام . وما خبث من المكاسب . لسان العرب 2 / 41 . ( 6 ) كلام الإمام ابن فضل الله عن المزي فيه مبالغة وقسوة وقد جاء تعبير الإمام ابن حجر العسقلاني عن هذه الخصلة في المزي بعبارة رقيقة حيث قال ( كان مغرى بالمطالب ) الدرر الكامنة 4 / 458 وأظن أن الذي دفع العمري إلى هذا التعبير هو السجع المتكلف الذي بدأ به ترجمة كل من ترجم له في هذا الكتاب ، ويذكرني هذا السجع المتكلف بما ترويه كتب الأدب عن الخليفة العباسي -