مولده بظاهر حلب سنة أربع وخمسين وستمائة ، ونشأ بالمزّة « 1 » وحفظ القرآن ، وتفقّه قليلا ثم أقبل على هذا الشأن ، ورحل سنة ثلاث وثمانين « 2 » ونسخ بخطه المليح المتقن كثيرا لنفسه ولغيره ، ونظر في اللغة ومهر / ( ص 227 ) فيها وفي التصريف ، وقرأ العربية ، وأما معرفة الرجال فهو حامل لوائها ، والقائم بأعبائها ، لم تر العيون مثله ، وخرّج لغير واحد ، وأملى مجالس وأوضح مشكلات ومعضلات ، ما سبق إليها من علم الحديث ورجاله ، وكان ثقة كثير العلم ، غزير الفضل ، حسن الاخلاق ، كثير السكون ، قليل الكلام جدا ، صادق اللهجة ، لم تعرف له صبوة ، وكان يطالع وينقل الطباق « 3 » إذا حدّث ، وهو في ذلك لا يكاد يخفى عليه شئ مما يقرأ ، بل يرّد في المتن والإسناد ردا مفيدا « 4 » ، بحيث يتعجب منه فضلاء الجماعة وكان متواضعا حليما صبورا مقتصدا في ملبسه ومأكله ، كثير المشي في مصالحه .
هامش
- الذي خاطب قاضيه في مدينة ( قم ) : يا قاضيا بقم - ثم أرتج عليه فلم يدر بماذا يختم السجع فقال : قد عزلناك فقم ) ، فقام القاضي المسكين المعزول . فقال : والله ما عزلني إلا هذه السجعة .
إني لا أقول بعصمة هؤلاء الأئمة الأفذاذ ، ولكن خصلة من خصالهم التي لا تليق بمكانتهم في العلم تضيع في ثنايا بحور الخير والحسنات التي تركوها للأمة ، فلا ينبغي تضخيمها وتسليط الضوء عليها . وستأتي مثل هذه الملاحظة في ترجمة الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد أيضا .
( 1 ) المزة : قرية كانت من ضواحي دمشق ، واليوم هي أحد أحيائها .
( 2 ) أي وستمائة .
( 3 ) أي الصحف أو ما يكتب عليه من ورق أو أديم .
( 4 ) مفيدا : يقول الإمام السبكي في طبقاته 10 / 397 : ( ( كان شيخنا المزي أعجوبة زمانه ، يقرأ عليه القارئ نهارا كاملا ، والطرق تضطرب ، والأسانيد تختلف ، وضبط الأسماء يشكل ، وهو لا يسهو ولا يغفل . . ولقد شاهدته الطلبة ينعس فإذا أخطأ القارئ ردّ عليه ، كأن شخصا أيقظه وقال له : قال هذا القارئ كيت وكيت هل هو صحيح ؟ وهذا من عجائب الأمور ، وكان قد انتهت إليه رئاسة المحدثين في الدنيا . ) )