تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
ومدد البحر ما يريد المريد منهم وما يشاء ، تطلّ منهم على بيوت قد بنيت بأعلا الرّبى ، وبلغت السحاب وعقدت عليها الحبى « 1 » قد اتّخذت من الشّعر الأسود وبطّنت ( 36 ) بالدّيباج والحرير والوشي المرقوم ، وفرشت بالمفارش الرومية ، والقطائف الكرجيّة ، ونضّدت بها الوسائد ، وقامت حولها الولائد ، وشدّت بوتد السماء أطنابها ، وأعدت لطوالع النجوم قبابها ، وأرخيت سجفها وشرعت أبوابها إلى الهواء ، واستصرخت واستغيث بها لدفع اللّأواء ورفعت عمدها ، ووضعت حجلاتها وقرّر في الأرض وتدها ، وطلعت البدور في أكلّتها ، ورتعت الظّباء في مشارق أهلّتها ، وحولهم خيول تحمي حجبها وترمي إزاء البيوت سحبها ، وتعرف بين العرب الأتراب عربها ، وتعرض في الشهب الحسان نخبها من كرائم الخيل المخبورة ، وعظائم السيل معنى وصورة ، قد تمايلت ألوانا ، وتقابلت في مناسب الخيل إخوانا ، وتنوّعت شياتها فبرزت بستانا ، وتسرّعت أعوجيّاتها السوابق ، فقصر مدى لاحق ، وتقدمت قدّامه ميدانا . وتفرّعت من أصول العرب في ربيعة ومضر ، وتبرّعت بما لا يلزمها ، فمنها ما انتظر ما خلفه ، ومنها ما فات النظر ، وتقدمت وأمهلت وراءها الرياح ، وأقدمت وأنهلت ظمأها مورد الصباح ، ومرّ كلّ طرف منها وطرف البرق حائر ، ومد [ وجوار ] « 2 » المجرّة ما فيها طريق لسائر ، وحفّت والطير في وكناتها لم تبرح ، ووفّت والوحوش في مكان بياتها لم تسرح ، تمّت كأنّها كثبان ، وهمّت كأنها عقبان ، قد صلدت حوافرها كأنها قعب حالب ، وصلدت مشاعرها كأنها وجه عاتب ، واتّسع منخرها كأنّه وجار ثعالب ، وارتفع مؤخّرها كأنه ربوة مراقب ، وطال غرتها كأنّه انتظار غائب ، ومالت نواصيها كأنها عقود ترائب ودقّ منخرها
هامش
( 1 ) في القاموس المحيط : " الحبي كغنيّ ، ويضم : السحاب يشرف من الأفق على الأرض ، أو الذي بعضه فوق بعض " . ( 2 ) في الأصل : وجواد ، والتصحيح من ( ك / 126 ) .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 324 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام