التعليقات ، وجعلتنا نقطع - على ضوء وضع ومكانة وإمكانيات كل من الأفغاني ومحمد عبده في ذلك التاريخ - بأن صاحب هذه التعليقات هو الأفغاني وليس محمد عبده ، فالتعليقات كانت تلقى دروساً يشرح بها صاحبها ( شرح الدواني على العقائد العضدية ) . . وفي تلك الفترة الزمنية كان الشارح والمدرس هو الأفغاني ، بينما كان محمد عبده في مكان المريد المتلقى عن أستاذه ، والمدون لأمالى هذا الأستاذ . . ولقد سبق أن أشرنا إلى رواية المؤرخين الثقات بأن ( شرح الدواني للعقائد العضدية ) كان من بين الكتب التي عرضها وعلق عليها الأفغاني في تلك الترة الزمنية بمنزله بخان الخليلي بالقاهرة . . أما النصوص التي ضمتها التعليقات - والتي تشهد بأن هذه التعليقات كانت هي موضوعات الدرس - فإنها كثيرة . .
فصاحبها يقول ، مثلا ، في ختام التعليق ( 79 ) : « وبالجملة ، فالكلام مع الناظرين في هذه المسألة طويل ، والوقت ضيق ! » . .
وفي التعليق ( 168 ) يقول : « فدقق النظر جدا ، فليس لي مجال التوسعة في الكلام ، لضيق الوقت ونقص المرام ! » . . وفي التعليق ( 86 ) يقول : « وليس هذا الكتاب كتاب البسط في المقال ! » . فهو هنا ، وفي كل حالة من حالات تلك الأمثلة ، مدرس وشارح يختتم مجلسا من مجالس الشرح لحلقة تلاميذه ومريديه . . وكما قلنا ، فلقد كان المدرس الشارح يومئذ هو جمال الدين . .
10 - هذا الشارح المدرس لم يكن - كما تؤكد نصوص تعليقاته - إنسانا عاديا ، ولا متوسطا ، بل ولا قريباً من قمة العلم والفلسفة الإلهية ؛ لأن تعليقاته هذه تقطع بأن منشئها هو قمة القمم في الفلسفة الإلهية في ذلك التاريخ وذلك المحيط ، ونستطيع أن نلمس هذا من عمقها وإحاطة صاحبها بمذاهب علماء الكلام والفلاسفة والمحققين والحكماء ، ومن مقارناته بين هذه المذاهب ، وملكة النقد القوية التي تحلى بها ، والجديد الذي يقدمه في الجدل الذي زخرت به هذه التعليقات ، كما نستطيع
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 26
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٦