فقال : ومن سيدك ؟
فقالت : فلان .
فأمر بهما لداره مكرمين . فلما أصبح طلب سيدها ، ودفع له ثمنها ثم أنه كساهما معا كسوة حسنة ووهبها له فقبلا يده ، ثم أن الجارية أنشدت تقول :
لقد جدت يا ابن الأكرمين بنعمة * جمعت بها شمل المحبين في ستر
فلا زلت للإحسان لهفا وملجأ * وقد حل ما قد كان منك على الشكر
فعش في أمان ما حييت ونعمة * وعز وإقبال وخير مدى الدهر
قال : فأعجب الوزير فصاحتها مع حسن صباحتها وأمر لهما بمال يعيشان فيه مدى حياتهما . فرحم اللّه الكرام .
ومن محاسن الجود ما وقع من عبد اللّه بن معمر :
/ وذلك أن فتى كان ذا مال ونعمة فسلبه الدهر ما كان معه حتى لم يكن يملك غير جارية لا تقع العين على حسن مثلها ، قد كملت حسنا ومعنى ، جمعت بين الفضل والأدب وآلات المسموع ، ومحاضرة الشعر ، والمنادمة ، وغير ذلك . فلما افتقر سيدها وضاق حاله قال لها : يا قرة عيني ترين ما نحن فيه من ضيق الحال وضنك « 1 » المعيشة ، فإن رأيتي أن أبيعك لأحد من أهل النعمة تنتفعي أنت بالنعمة وأتوسع أنا بالثمن ، وو اللّه إن فراق روحي أهون عليّ من فراقك . فبكت واغتمت « 2 » غير أنها لم تر بدّا من ذلك ، فاستشار سيدها رجلا من ذوي العقول « 3 » ، فأشار عليه أن يعرضها على عبد اللّه بن معمر ، ففعل . فلما رآها كادت تأخذ بمجامع قلبه ، وهاله ما رأى من حسنها .
فقال لسيدها : كم رجوت ثمنها ؟
فقال : ألف دينار .
فقال : لك ذلك وفرس من مراكيبي بسرج من ذهب ، وبدلة من ملابسي ، أرضيت ؟
قال : أرضاك اللّه ، قد رضيت ، فأمر له بذلك .
وأمر بها « 4 » لداره ، فوقفت الجارية بجانب الستارة وبكت بكاء شديدا ، ثم أشارت لسيدها تقول هذه الأبيات :
هامش
( 1 ) في المخطوط : ظنك ، وهو تحريف .
( 2 ) في المخطوط : أغتمه ، وهو تحريف .
( 3 ) في المخطوط : المعقول ، وهو تحريف .
( 4 ) في المخطوط : فأمر به ، وهو تحريف .