جلسنا وتبين لي بأن فضول ربيز يعزف العود على قدر الحالة فلسمني العود وقضينا فترة كانت والحق يقال لذيذة بعد طول غياب مما أدهش الحضور وسبب تجمع بعض المارة في الشارع . . والجميع كان يصغي لعزفي وكان من مقام الراست . وبالفعل تذكرت العود وعزف العود وليالي العود في السنين السالفة . . خصوصا زمن الإنتداب البريطاني وعلى الأخص في أول سنينه ، وسألت فضول ربيز بأنه إذا أمكن لديه بإعارتي العود الثاني لمدة وجيزة شريطة أن أصلحه وأشد عليه أوتارا جديدة ، وقد ساعدني الأصدقاء وخصوصا أبو ميشيل ورجوه بأن يعيرني العود ولا خوف عليه خصوصا عندما لمسوا من نظراته بأنه أعجب من عزفي واقتنع بفني . . وما هي إلا لحظات قال فضول ربيز : -
[ إيه شو عليه تكرم عينك وهذا العود مقدم ولكن بشرط أن تدفع لي ثلاثة ليرات لبناني عن كل شهر يكون في حيازتك ] . .
فوافقت بالحال ودفعت المبلغ عن شهر واحد مقدما . . ولكن الأصدقاء الذين كانوا معي تأثروا جدا من هذه المعاملة . أما أنا فكنت أتسائل في قرارة نفسي وأقول : -
[ ها اللّه . . ها للّه . . يا هالدنيا ، هل جار علي الزمن واضطرني أن أستأجر عود شهري ، قد تركت في بيتي ضمن المجموعة الجوهرية مجموعة من الآلات الموسيقية تبلغ اثنين وسبعين قطعة من مختلف الآلات الشرقية النادرة والغربية منها ؟ ! ! .
ولكن هذا يجب أن يكون لأكمل دور اللاجئ وإذا نظرنا إلى قيمة الإجارة فهي زهيدة جدا أي عشرة قروش لبناني يوميا مع أنني أدفع صبغة الكندره خمسة وعشرين ! ! ، إنه حديث فريد للذكرى يسرد اللّه لي لأدونه بخط يدي هنا ثم أذكر وأقول التاريخ معي يرجع إلى الخلف والوراء وذلك بعد النكبه . .
فقد مسكت العود لأول مرة في سهرة من قسطندي الصوص حتى توصلت للحصول على العود كما هو مفصل أعلاه وخصوصا كيف حوشت ثمن العود الأول وحصلت عليه بكل مشقة من الفران صبري عبد ربه ! ! ]
والآن وبعد النكبة أصبحت في ذات الحالة التي كنت فيها وأنا صغير إلى أشد العوز إلى النقد . . ولكنني بذات الوقت متفائلا وتراني صابرا أشكر المولى عز وجل على السراء والضراء وخصوصا سلامتي وأولادي من معارك القدس وهي في نظري ولا شك الأهم .
أخذت العود وصلحته على نفقتي وصبغته فأصبح كالمرآة وشددت عليه الأوتار الجديدة وبقي معي مدة لا تقل عن الستة شهور كنت في نهاية كل شهر ولأجل إتقان التمثيلية كنت في الثالث أو الرابع من كل شهر أذهب مع بعض الأصدقاء أمثال زوانه وجورج مراد وقندلفت إلى السمان فضول ربيز وبعد مقدمة مزركشة جوهريه أعتذر بها إلى ربيز عن تأخيري . .
أدفع له المبلغ وقدره " ثلاث ماية قرش لبناني " وأشكره على كرمه وعطفه علي وأنا غريب .
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 627
مساهمون: واصف جوهرية
ص٦٢٧