كانت أريحا وكأنها في ساحة حرب تعج بالناس من أهالي فلسطين الذين تركوا منازلهم في الوطن السليب ونزحوا إلى أريحا .
وقد يتخيل المرء في هذه الفترة وكأننا في يوم القيامة كل يا للي نفسي . . لا حكم منظم ولا استقرار ولا غذاء ولا ما يحزنون .
قد حاول كل منهم بأن يتفنن بالحصول على طريقته الخاصة على رغيف العيش . وأصبحت أريحا من فندق المنظر الجميل لغاية السوق الساحة الوسطى إلى الجامع الشرقي من الشرق وإلى أول طريق عين السلطان بسطات خشبية من على ضفتي الطرقات الرئيسية لا فرق بين أفندي وعامل وفلاح فهذا يبيع اللبن وهذا الجبنه والحويرنه والخبيزه والسكاير وأي صنف غذاء والجميع وكأنهم في مأتم يفكرون بالذي أصبحوا فيه بين عشية وضحاها ويلعنون الإنكليز واليهود والعرب والدول والجيوش ويبكون على مصير ومستقبل أولادهم الذين فقدوا الوطن وأصبحوا بلا مأوى حتى خسروا قبور الآباء والأجداد وكل واحد منهم بدأ يتفهم الاحتيال والمؤامرات التي حدثت وكان سببا لضياع الوطن الذي لا مثيل له وتأكدوا أن البلاد راحت كلا . . كلا . . ألعوبة الثلاث ورقات ويقولون لو كان شرف وذهبت البلاد بطريقة الحرب والمعارك الشريفة لا يهمنا أبدا . .
كنت يوميا أتجول بين هذه المجموعة من الأهالي ونستقبل لاجئين جدد لم يزالوا يردون أريحا بطرق خبيثة من مختلف القرى والبلاد التي ومع الأسف كانت ليست داخلة في حساب التقسيم بل تسلقت اللقمة صائغة لليهود تسليم اليد . .
وإن أنسى لا أنسى عندما دخل لاجئون اللد والرملة أريحا في حالة تقشعر منها الأبدان . . وكانوا يقولون لنا " أن اليهود عندما احتلوا بلادهم وكانت فئة تلبس الكوفية والعقال يقولون لهم يا اللّه انقلعوا من البلد فقد باعكم ملككم يا ريت كل واحد بقرش بل كل اثنين بقرش ونصف " . هذا ما كنا نسمعه منهم وبالحرف الواحد .
دير قرنطل أيضا . . [ هم يحسدوني على موتي . . ]
دخلنا دير قرنطل ولجأنا فيه منذ 18 نيسان سنة 1948 لمدة ماية وتسعين يوما ، والسبب المباشر في لجوئنا لهذا الحصن هو : -
أولا : لأجل الراحة التامة بعدما قضينا أيام وليالي منذ تاريخ التقسيم في معارك دامية من حولنا . . ثم والمهم في الأمر أن الحالة المالية لكل منا كانت سيئة لدرجة ما . . وكانت فكرة صائبة شجعتنا عليها زوجتي فيكتوريا واتضح لنا فيما بعد مصير من لجأ إلى سوريا ولبنان ومصر وصرف كل ما كان معه من نقود في الفنادق والمصايف الممتعة وأصبح والعياذ باللّه لا يملك قرشا في جيبه .
قيل لنا عند دخولنا الدير أن لصوص من البدو دخلت الدير ليلا بأسلحتها وذلك من الباب الخلفي من الجهة الغربية المؤدي إلى قمة جبل قرنطل وذلك قبل وصولنا بمدة أسابيع قليلة الأمر الذي جعل الرهبان تقوية هذا الباب والحصول على بنادق مرتين وعتاد للمحافظة على أرواحهم وعلى النفائس الثمينة الموجودة خصوصا في الكنيسة .
والجدير بالذكر في هذا الصدد أننا تبلغنا بواسطة الرهبان ومن رجالات هذا الدير من أهالي بدو قرنطل وعلى رأسهم العم [ ] الأسود والمعروفين بعبيد مريم أنه أشيع بين أهالي المنطقة لدى وصولنا الدير بأن [ واصف الجوهرية هو مليونير . . كبير