المجموعة الجوهرية
أحب أن أبين للقارئ الكريم الأسباب التي جعلتني أفكر جليا بجمع كل ما يروق في نظري من التحف الفنية الأثرية ، وخصوصا ما يمت إلى مدينتي العزيزة والمحببة القدس بصلة ، ثم وبعد ما وفقت بعونه تعالى وجمعت طائفة كبيرة من النفائس النادرة التاريخية والأثرية تبين ما كانت أيدي العرب والشرق تصنع ، فكرت بأن أجعل هذه المجموعة كمتحف قومي شعاره :
" تلك آثارنا تدل علينا * فانظروا من بعدنا إلى الآثار "
آمل أن تكون المجموعة " الجوهرية " وذخائرها مرجعا فنيا تاريخيا [ . . . ] « 1 » . منذ حداثتي وأنا لي ميل فطري للموسيقى وإلى كل ما [ يتماشى ] مع الموسيقى من فنون ، فإني أعشق الموسيقى وأصبحت من المعروفين ذوي الخبرة الواسعة في هذا الموضوع . وإني في الوقت نفسه أتذوق الشعر ، وأنا لست بشاعر ، وأنتقد الرسم عند اللزوم ، وأنا لست بالرسام . ولكن لا عجب فالفنون هي عائلة ، وقد كتب لي الأخ عمر الحسيني في الكتاب الذهبي التابع للمجموعة الجوهرية هذه الكلمة :
" إلى من يفتش عن الذوق الرفيع في جميع ضروب الفن فليقصد واصفا ، فإنه لا شك واجده " ، أضف إلى ذلك بأن البيئة البيتية تزيد الموهوب علما ، فقد سبق وكتبت بأن المرحوم والدي كان له الفضل الأكبر في تعليمي الموسيقى ، فكان يوجهني إلى الطريق القديم من حيث العزف على آلة الطرب والأداء وجودة اللحن ، وهكذا كنت أشاهده مرارا عندما كان يطلع أصدقاءه على بعض وريقات من المخطوطات النادرة في الصالون ، وقد ورثت منه بعض هذه الوريقات التي سأكتب عنها في الفصول القادمة كما أنه كان عنده قطعتان من الصيني يتباهى بهما ، فينقل هذه الأواني عند مناسبة الأعياد في الصالون من محلها الأصلي لمحل آخر ، وكانت بالفعل تجلب نظر الزائرين بالنسبة لقلتها ، ثم المنقل النحاسي الإستانبولي ، وبعض بكارج القهوة يعتز بها ، وكذلك بعض الرسوم لشخصيات لها قيمتها يزين بها جدران الصالة وينقلها من محل إلى آخر ، ما تزيد رونق البيت ، كما أنه كان رحمه اللّه يعلق جلد أفعى ذات رأس وفيه الأسنان بصورة غريبة ، أسنان أخرى في سقف حلق تلك الأفعى ، التي طولها يبلغ أربعة أمتار تقريبا ، وكانت موضع بحث الزائرين في مناسبات عديدة .
كنت أبحلق بنظري بما يعرضه والدي على الزائرين من أصدقائه ، ويشرح لهم عن كل منها وكنت أنظر وأسمع بشغف زائد .
وهكذا عندما تزوجت في أوائل سنة 1924 ، أخذت جميع هذه التحف كذكرى من الوالد ، وفي الوقت ذاته كنت أرتاح لرؤيتها وعرضها في الصالة ، فكانت أساس المجموعة الجوهرية .
شاء القدر أن أحظى من المرحوم البطريرك ذميانوس على الدار في محلة النيكوفورية ، وهي من أملاك وقف البطريركية الأرثوذكسية ، هذه الدار المتواضعة قديمة البناء على النمط العربي ، أي عقدها بما يعرف بالصليب اتخذتها لسكني وعائلتي ، وصرفت عليها الكثير حتى أصبحت منزلا محترما في كل ما في هذه الكلمة من معنى ، فكان بناؤها وحالتها الأثرية منارة لي شجعتني على اقتناء المفروشات التي تتناسب وهيكلها ، فاشتريت مقاعد الصالون من صنع القاهرة المزركشة بالصدف القليل ، ويدخلها ستائر صغيرة خشبية من صنع مخرطة الخشب القديمة على الرجل . . . وقد ابتكرت ستائر الشبابيك والنوافذ بطريقة فنية تتناسب أيضا وبناء الدار ، فقد وضعت بارودة من زمن إبراهيم باشا الطويلة ذات
هامش
( 1 ) ناقص في الأصل .