إلى من يقطن محلات الأعمال حول هذه الدار ، وخصوصا ما بينها وبين موقع مدخل القدس من باب الخليل لا تجد سوى الإسطبلات والحدادين وما شاكلهم من الأشقياء .
5 - عندما عرفت بواسطة فيكتوريا بأن هذه الدار ستصبح خالية من السكان ، وتحققت من تصميم السيدة فروسو على تركها القدس شجعت فيكتوريا على أخذ الدار بصفتها ملكا للبطريركية الأرثوذكسية ، وفيها يمكننا أن نسرع بمهمة الزواج ونوفر الإيجار للسكن بصفتنا من أبناء الطائفة .
وأما مسألة موقع الدار المخيف إلى ما جاء عنه من المبالغات ، فهذا لا ينطبق على صاحب هذا الكتاب لأنني واثق بنفسي ، إنني - والحمد للّه - خال من الأعداء ومعروف لدى جميع الطبقات ، وأهمها طبقة الأشقياء والسكارى الذين قضيت معهم الكثير في الحقل الفني ومساعدتي لهم بحكم الوظيفة . وقد أحببت الدار المذكورة لأنها توافق مزاجي ، وهي من بناء الطراز القديم عقد صليب ، وكثافة جدرانها لا يقل عن المتر . وهكذا توقفت وأقنعت فيكتوريا وبالحال مددت يد المساعدة على قدر الإمكان ودفعت إلى السيدة فروسو مبلغ أربعة وعشرين ليرة مصرية مفتاحية ، ولم يكن كلفة بيننا فقبلت شاكرة واستلمنا الدار ونزلت فيكتوريا ووالدتها فيها مع العلم بأن العم صليبا كان يقضي أكثر أوقاته في فندق السان جون لمصلحته . وقد أقمت حارسا من فلاحي قرى قضاء القدس ، واسمه العم أبو صلاح ، فكان ينام خارج البناء في الفسحة الشرقية بجوار النافذة للغرفة التي تنام فيها فيكتوريا ، وهي عزباء قبل الزواج .
وبعد مدة وجيزة قد استطعنا بعد الزواج أن نحتل الغرفة الغربية التي بقيت مسكونة بعد سفر السيدة فروسو من قبل عائلة يونانية ، كان رب بيت هذه العائلة يشتغل فرانا في دير الروم ، وأصبحت الدار بكاملها لنا وباشرنا في تصليح كل ما كان لا يروق على فكري فيها من الداخل والخارج ، وقد صرفت المبالغ الباهظة حتى أصبحت دارا محترمة بكل ما في الكلمة من معنى ، كما سيجيء الحديث عنها في حينه من هذا الكتاب .
وحقا إنه ينطبق علي هذين البيتين من شعر شوقي :
جنيت بروضها وردا وشوكان * وذقت بكأسها شهدا وصابا
نعم قد جاهدت وصرفت الكثير في إصلاح هذه الدار ثم أضفت بناء في الطابق العلوي للنوم وكان مدخله من داخل الدار شبيها بما يسمونها ( بالفيلا ) . وقد بقيت معي منذ سنة 1922 إلى آخر نهاية الانتداب البريطاني سنة 1948 ، عندما تركنا القدس ، وأصبحت - ويا للأسف - في حوزة اليهود تحت إشراف قنصل فرنسا المسيو نوفيل بموجب معاملة رسمية محفوظة بيننا إلى يومنا هذا ، وقد أصبحت ليس دارا فحسب ، بل متحف يشار إليه بالبنان ، وقد كونت فكرة التحف عندما وقع نظري على العقد الصليب العربي الذي يتناسب وهدفي باقتناء كل ما هو شرقي فني ، وإني أقولها صراحة رأيت وعائلتي الخير وكل الخير منذ وطئت قدماي عتبتها ، وكنت في كل يوم من دخولها فيها أرى مزيدا من فضل اللّه سبحانه وتعالى .