1 - إن دار النيكوفورية هي من أملاك البطريركية الأرثوذكسية بالقدس بناء متواضع جدا على الطراز القديم ومقامة على قطعة أرض لا تزيد على مساحة دونمين تقريبا . وإن موقعها شريف جدا ، إذ أنها تقع على قمة جبل النيكوفورية من الجهة الشرقية ، وتطل على مناظر خلابة أثرية ، فإذا ما وقفت فيها ترى أمامك مدخل باب الخليل واضحا جليا وبجانبه بحذاء السور ترى قلعة الملك داود الأثرية وبحذائها جبل صهيون وما عليه من مؤسسات دينيه لها قيمتها ، هذا من جهتها الشرقية ، أما القبلية منها فإنك تتمتع بمناظر القدس من جهتها الجنوبية ، فترى بوضوح جبل المكبر ، وما أقيم عليه من عمارة المندوب السامي والكلية العربية ، ومناظر حي الثوري والبقعة وطريق بيت لحم إلى دير وكنيسة مار إلياس .
والجدير بالذكر أن فندق الملك داود وجناته [ حدائقه ] يقع من جهتها الغربية ، ولم يحد بيننا سوى أرض مشجرة بالزيتون من أملاك البطريركية ، وكذلك يحدها من جهة الشمال عمارة القنصلية الفرنسية وحدائقها الخلابة . وقد صادف وجود كنيسة مارجرجس ( الخضر عليه السلام ) بجوار هذه الدار من الجهة الشرقية القبلية العائد لعائلة قرط المعروفة .
2 - إني أذكر منذ طفولتي أو حداثتي زرتها مع المرحوم والدي زمن الحكم العثماني كانت مستعملة مقهى لأحد أبناء الجالية اليونانية بالقدس ، وقد قتل فيها رجل في حالة سكر ، وهكذا اضطر مديرها أن يغلق المقهى ولم يسدد الإيجار إلى البطريركية ، وهكذا كنت مع والدي بصفته موظفا في المحكمة الكنسية آنذاك ، وكان مسؤولا على بيع عفش المقهى بواسطة المزاد العلني الحكومي واذكر أنه قد اشترى مرآة أثرية كبيرة مع الطاولة الرخامية النادرة التي لم أزل أحتفظ بها ليومنا هذا ، وأصبحت من بعض الأثاث الحاضر في الدار فتأمل !
3 - وقد علمت من الأخ رؤوف لورنس من أبناء القدس المعروفين أن والده قد استأجرها واستعملها فرنا ، وقد ربى في ساحتها الخارجية خنازير لمدة طويلة .
4 - شاء القدر أن تسكن خالة فيكتوريا السيدة فروسو أرملة أبو صوان وأولادها هذه الدار أثناء الاحتلال البريطاني ، أو ما قبله بقليل ، وقد صممت أن تترك القدس وأولادها وتقضي ما تبقى لها من العمر في مصر القاهرة بسبب وفاة ولدها جورج ، وهكذا عرضت هذه الدار على جملة عائلات من طائفة الروم العرب ، منهم سمعان الخوري البيضة ، وأخوه قسطندي ويعقوب أبو حجر ، وغيرهم على استئجار هذه الدار فرفضوا رفضا باتا ، لما ذا ؟
لأن موقع هذه الدار كان مخيفا جدا بسبب أنها وحيدة ومقامة على القمة ، ولم يكن أحد يسكن تلك المنطقة من البشر سوى عائلة عيد نخلة قرط وأولاد أخيه . فلم يكن - آنذاك - أي سنة 1922 عمارة فندق الملك داود ، ولا مؤسسة جمعية الشبان المسيحية ، ولا عمارة القنصلية الفرنسية ، ولا مؤسسة الآباء اليسوعيين حتى ، ولا الشارع المعروف بشارع الشماعة ، ولم يكن شارع الملك جورج - آنذاك - بل كانت هذه الدائرة محاطة بأشجار الزيتون ليس إلّا .
ومن عرف النيكوفورية - آنذاك - من أبناء القدس يفهم بأنها كانت محطة للسكارى ولعربدة السكارى والنشالين وأولاد الأزقة الذين كانوا يسرعون بلهفة فائقة هربا من وجه القانون عندما يقومون بحوادث مشينة في المدينة . وإذا ما نظرت
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 404
مساهمون: واصف جوهرية
ص٤٠٤