تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
قال : قال الواقدىّ : وحدثني عبد اللّه بن جعفر ، عن عمته أم بكر ، وحدّثنى شرحبيل ابن أبي عون ، عن أبيه ، وابن أبي الدّينار ، قالوا : كتب يزيد إلى عمرو بن سعيد ، أن يوجه إلى ابن الزبير جندا ، فسأل : من أعدى الناس له ؟ فقيل : عمرو أخوه ، فولّاه شرطة المدينة ، فضرب ناسا من الأوس والأنصار بالسياط ، وقال : هؤلاء شيعة عبد اللّه بن الزبير ، ثم توجه في ألف من أهل الشام إلى قتال أخيه عبد اللّه ، ونزل بذى طوى ، فأتاه ناس يسلّمون عليه ، فقال : جئت لأن يعطى أخي الطاعة ليزيد ، ويبرّ قسمه ، فإن أبى قاتلته ، فقال له جبير بن شيبة : كان غيرك أولى منك ، تسير إلى حرم اللّه وأمنه ، وإلى أخيك في سنّه وفضله ، تجعله في جامعة ! ما أرى الناس يدعونك وما تريد ! قال : أرى أن أقتل من حال دون ذلك ، ثم أقبل ونزل داره عند الصفا ، وجعل يرسل إلى أخيه ، ويرسل إليه أخوه ، وكان عمرو يخرج يصلّى بالناس وعسكره بذى طوى ، وابن الزبير أخوه معه ، يشبّك أصابعه في أصابعه ، ويكلمه في الطاعة ويلين له ، فقال عبد اللّه : ما بعد هذا شئ ، إني لسامع مطيع ، أنت عامل يزيد ، وأنا أصلى خلفك ، ما عندي خلاف ، فإما أن تجعل في عنقي جامعة ، ثم أقاد إلى الشام ، فإني نظرت في ذلك ، فرأيته لا يحل لي أن أحله بنفسي ، فراجع صاحبك واكتب إليه ، فقال : لا واللّه ما أقدر على ذلك ، فهيّأ عبد اللّه بن صفوان قوما ، وعقد لهم لواء ، وأخذ بهم من أسفل مكة ، فلم يشعر أنيس الأسلمي إلا بقوم ، وكان على عسكر عمرو ، فالتقوا ، فقتل أنيس ، وركب مصعب بن عبد الرحمن بن عوف في طائفة إلى عمرو ، فلقوه ، فانهزم أصحابه والعسكر أيضا ، وجاء عبيدة بن الزبير إليه ، فقال : يا أخي ، أنا أجيرك من عبد اللّه ، وجاء به أسيرا ، والدم يقطر على قدميه فقال : قد أجرته ؟ قال عبد اللّه : أما حقي ، فنعم ، وأمّا حق الناس فلا ، فيقتصّ منه لمن آذاه بالمدينة ، وقال : من كان يطلبه بشئ فليأت ، فجعل الرجل يأتي فيقول : قد نتف أشفارى ، فيقول : قم ، فانتف أشفاره ، وجعل الرجل يقول : قد نتف لحيتي ، فيقول : انتف لحيته ، وكان يقيمه كل يوم ، ويدعو الناس للقصاص منه فقام مصعب بن عبد الرحمن فقال : قد جلدنى مائة جلدة ، فأمره فضربه مائة جلدة ، فمات ، وأمر به عبد اللّه فصلب . وروى ابن سعد عن الواقدي وقال : بل صحّ من ذلك الضرب ، ثم أمر به ابن الزبير بعد إخراجه من السجن ، فرآه جالسا بفناء منزله ، فقال : ألا أراه حيّا ! فأمر به فسحب إلى السجن ، فلم يبلغه حتى مات ، فأمر به عبد اللّه ، فطرح في شعب الخيف ، وهو الموضع الذي صلب فيه عبد اللّه بعد . انتهى .