تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
جلست إلى جانبي ، وأقبلتّ علىّ تحدّثنى ، وسألتني عن حالي ، وأنا واللّه منها في غمرات شديدة ، وقد زال عقلي حين شاهدت جمال صورتها ، فلما مضى لي معها ساعة ، قالت : يا عمر ، من الذي يقول « 10 » :
وناهدة الثديين قلت لها اتّكى * على الرّمل من جبّانة لم توسّد فقالت على اسم اللّه سمعا وطاعة * وإن كنت قد كلّفت ما لم أعوّد فلمّا دنا الإصباح قالت فضحتني * فقم غير مطرود وإن شئت فازدد فزّودت منها واتّشحت بمرطها * وقلت لعينىّ اسكبا الدّمع في غد وقامت تعفّى بالرداء مكانها * وتطلب شيئا من جمان مبدّد
فقلت لها : أنا قائل ذاك ، فداك أبي وأمي ، قالت : يا عمر ، من كانت هذه الناهدة الثديين ، التي كانت هذه حالها معك ؟ قلت لها : أطال اللّه بقاءك ، ما كان هذا منّى من قصد ولا عمد ، ولا قلته في امرأة بعينها ، غير أنى أحبّ الغزل ، وأقول الشعر ، والتّشبّب بالنساء ، فقالت : أنت كذاب على الحرائر ، فاضح للنساء ، وقد فشا شعرك في الحجاز والعراق والشام ، ولم يكن في امرأة بعينها ! يا وصائف ، أخرجن هذا الكذاب الفضاح للنساء الحرائر ، فعصبن عيني ، ودفعننى إلى العجوز ، فقادتنى إلى مضربى ، ثم قالت : يا أبا الخطاب ، لا تيأس ، فبتّ ليلتي قلقا لم أذق مناما ، فلما كان الغد ، دخل علىّ الحاجب ، وقال : إن العجوز التي كانت أمس بالباب قد جاءت ، فقلت : ائذن لها ، فدخلت وسلمت وقالت : هل لك أن تراها ثانية ؟ قلت : نعم . قالت : أأنت ناظر إليها على الشرط المتقدم ، قلت : نعم . فأخرجت المصحف واستحلفتنى ، وعصبت عينىّ ، وقادتنى إلى مضربها ، فأخذني منها الوصائف ، وحللن العصابة عن عيني ، وإذا أنا في مضرب من الديباج الأسود ، منقوش بالذهب ، مفروش بالحرير ، وإذا فيه جوار كالظباء ، فجلست على السرير ، وإذا هي قد طلعت علىّ كالبدر بتمامه ، فسلّمت علىّ وصافحتنى ، فوجدت برد كبدها في يدي ، ثم جلست إلى جانبي ، وسألتني عن خبري ، وكيف كان بيتي في ليلتي ، وحادثتنى ساعة ، فما رأيت أطيب من حديثها ، ثم قالت لي في غضون ذلك : يا أبا الخطاب ، من الذي يقول [ من الرمل ] :
بينما ينعتننى أبصرننى * دون قيد الميل يعدو بي الأغرّ قالت الكبرى أتعرفن الفتى * قالت الوسطى نعم هذا عمر قالت الصغرى وقد تيّمتها * قد عرفناه فهل يخفى القمر
هامش
( 10 ) انظر الأبيات : ( في الأغانى 1 / 78 ، ديوان عمر 113 ) .
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين — صفحة 350 | محمد بن أحمد الفاسي المكي / محمد عبد القادر أحمد عطا