تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
وظفر على رضى اللّه عنه بعائشة ، فأكرمها ورعى لها حرمتها ، وجهّز معها من أوصلها إلى المدينة . وكانت وقعة الجمل في سنة ست وثلاثين من الهجرة ، في عاشر جمادى الأولى ، وقيل في عاشر جمادى الأخرى ، واللّه أعلم . ثم ثار الحرب بينه وبين أهل الشام ، لا متناعهم من مبايعته ، فسار علىّ نحوهم من العراق في تسعين ألفا ، وقيل في مائة ألف ، وقيل في خمسين ألفا ، والتقى مع معاوية وأهل الشام ، وكانوا سبعين ألفا ، وقيل ستين ، على أرض صفّين بناحية العراق ، في صفر سنة سبع وثلاثين من الهجرة ، ودام الحرب والغارة بين الفريقين أياما وليالي ، وقتل من الفريقين ستون ألفا ، وقيل سبعون ألفا ، وغلب أصحاب علىّ رضى اللّه عنه على الماء ، وأزالوا عنه أهل الشام . ولما خاف أهل الشام الكسرة ، رفعوا المصاحف بإشارة عمرو بن العاص رضى اللّه عنه ، ودعوا إلى الحكم بما في كتاب اللّه ، فأجاب علىّ رضى اللّه عنه إلى تحكيم الحكمين ، حكما من جهة علىّ ، وحكما من جهة معاوية ، على أن من اتفق الحكمان على توليته الخلافة ، فهو الخليفة . واختلف على علىّ رضى اللّه عنه أصحابه ، لإجابته إلى ذلك ، وخرجت عليه الخوارج ، وهم أزيد من عشرة آلاف ، وقالوا : لا حكم إلا اللّه ، وكفّروا عليا رضى اللّه عنه بفعله ، واعتزلوه ، وشقّوا عصا المسلمين ، ونصبوا راية الخلاف ، وسفكوا الدماء ، وقطعوا السّبل ، فخرج عليهم على رضى اللّه عنه بمن معه ، ورام رجعتهم ، فأبوا إلا القتال ، فقاتلهم واستأصل جمهورهم ، ولم ينج منهم إلا اليسير . وجملة من قتل منهم أربعة آلاف ، على ما قيل . فلما كان شهر رمضان من سنة ثمان وثلاثين ، اجتمع الحكمان ، وهما أبو موسى الأشعري ، من جهة علىّ رضى اللّه عنه ، فيمن معه من وجوه أصحاب على رضى اللّه عنه ، وعمرو بن العاص ، من جهة معاوية ، فيمن معه من وجوه أصحاب معاوية ، بدومة الجندل ، وهي مسيرة عشر أيام من دمشق ، وعشرة من المدينة ، وعشرة أيام من الكوفة ، فلم ينبرم أمر ، لأن عمرا رضى اللّه عنه ، خلا بأبى موسى فخدعه ، فقال له : نخلع الرجلين - يعنى عليا ومعاوية - ونولّى من يختاره المسلمون ، فأذعن لذلك أبو موسى ، وقال له عمرو : تكلم قبلي ، فأنت أفضل منى وأكبر سابقة . فلما خرجا إلى الناس ، تكلّم أبو موسى ، وخلع عليّا ومعاوية ، ثم قام عمرو ، فقام وقال : أما بعد ، فإن أبا موسى قد خلع عليا كما سمعتم ، وقد واقفته على خلع علىّ ، وولّيت معاوية . وسار الشاميون وقد بنوا في الظاهر على هذه الصورة ، وود أصحاب علىّ الكوفة ،
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين — صفحة 274 | محمد بن أحمد الفاسي المكي / محمد عبد القادر أحمد عطا