تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
ويقوّى الضعيف منهم ، فبصر بخباء عظيم حوله مرابطة ثمانية أفراس ، ورماح وعدّة ظاهرة ، فانتهى إلى الخباء ، فإذا خباء عكرمة ، فسلم عليه ، وجزاه أبو بكر خيرا ، وعرض عليه المعونة ، فقال له عكرمة : أنا غنىّ عنها ، معي ألفا دينار ، فاصرف معونتك إلى غيرى . فدعا له أبو بكر بخير ، ثم استشهد يوم أجنادين ولم يترك ولدا . وأمه أم مجالد بنت يربوع ، إحدى نساء بنى هليل بن عامر . وذكر ابن عبد البر : أن عكرمة كان شديد العداوة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم هو وأبوه ، وكنّى النبي صلى اللّه عليه وسلّم أباه بأبى جهل ، وكان يكنى أبا الحكم . وكان عكرمة فارسا مشهورا ، أسلم وحسن إسلامه ، وكان مجتهدا في قتال المشركين مع المسلمين ، واستعمله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عام حج على هوازن بصدقتها ، ووجهّه أبو بكر إلى عمان ، وكانوا ارتدوا ، فظهر عليهم . ثم وجهّه أبو بكر إلى اليمن ، وولّى عمان حذافة القلعان « 2 » . ثم لزم عكرمة الشام مجاهدا ، حتى قتل يوم اليرموك ، في خلافة عمر ، هذا قول ابن إسحاق . واختلف في ذلك قول الزبير بن بكار ، فقال : قتل يوم اليرموك شهيدا . وقال في موضع آخر : استشهد يوم أجنادين . وقيل إنه قتل يوم مرج الصفر ، وكانت أجنادين ومرج الصّفرّ في عام واحد ، سنة ثلاث عشرة ، في آخر خلافة أبى بكر رضى اللّه عنه . وروى الزبير عن محمد بن الضحاك بن عثمان عن أبيه : أن عكرمة لما سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أن يستغفر له ، فاستغفر له . فقال عكرمة : واللّه لا أدع نفقة كنت أنفقها في صدّ عن سبيل اللّه ، إلا أنفقت ضعفها في سبيل اللّه . ثم اجتهد في العبادة ، حتى قتل في زمن عمر رضى اللّه عنه . وروى الزبير بسنده إلى الأعمش ، عن أبي إسحاق نحوه ، وقال : فلما كان يوم اليرموك ، نزل فترجّل وقاتل قتالا شديدا فقتل ، فوجد به بضع وسبعون ، من بين طعنة وضربة ورمية . وقال الزبير : حدثني عمّى ، عن جدّى ، عبد اللّه بن مصعب ، قال : استشهد يوم اليرموك الحارث بن هشام ، وعكرمة بن أبي جهل ، وسهيل بن عمرو ، وأتوا بماء وهم صرعى ، فتدافعوه ، كلما دفع إلى رجل منهم قال : اسق فلانا ، حتى ماتوا ولم يشربوا . قال : طلب عكرمة الماء ، فنظر إلى سهيل ينظر إليه ، فقال : ادفعه إليه ، فنظر سهيل إلى الحارث ينظر إليه ، فقال : ادفعه إليه ، فلم يصل إليه ، حتّى ماتوا كلهم ، رضى اللّه عنهم .
هامش
( 2 ) « حذافة القلعان » ذكره الطبري في تاريخه أنه « حذيفة بن محصن الغلفانى » .