تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
ووجه الدلالة من هذا الكلام : أنه يقتضى أن قريشا كانوا نزولا مع قومهم من كنانة ، حين انفراد غبشان من خزاعة بولاية الكعبة ، والمنازل التي كانت تنزل بها كنانة وقريش إذ ذاك : خارج الحرم ؛ لأن أول عربى نزل الحرم بقومه : هو قصى بن كلاب ، على ما ذكره الفاكهي في خبر قصى ؛ لأنه قال : وحدثنا الزبير بن أبي بكر قال : قال أبو الحسن الأثرم ، قال أبو عبيدة ، قال محمد بن حفص : « قدم رزاح ، وقد نفى قصى خزاعة . وقال بعض مشيخة قريش : وإن مكة لم يكن بها بيت في الحرم ، إنما كانوا يكونون بها ، حتى إذا أمسوا خرجوا لا يستحلون أن يصيبوا فيها جنابة ، ولم يكن بها بيت قائم ، فلما جمع قصى قريشا - وكان أدهى من رؤى من العرب - قال لهم : أرى أن تصحبوا بأجمعكم في الحرم حول البيت ، فو اللّه لا تستحل العرب قتالكم ، ولا يستطيعون إخراجكم منه ، وتسكنونه ، فتسودوا العرب أبدا . فقالوا له : أنت سيدنا ، رأينا لرأيناك تبع . فجمعهم ، ثم أصبح بهم في الحرم حول البيت ، فمشت إليه أشراف كنانة ، وقالوا : إن هذا عند العرب عظيم ، ولو تركناك ما تركتك العرب . فقال : « واللّه لا أخرج منه . وثبت » . انتهى . ومن ذلك : قوله بعد ذلك - بعد أن ذكر ما رأى قصى - من أنه أولى بالكعبة ، وبأمر مكة من خزاعة وبنى بكر - : « فكلم رجالا من قريش وبنى كنانة ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبنى بكر من مكة . فأجابوه » . ووجه الدلالة من هذا : أن كلام قصى لكنانة ، فيما طلب ، وإجابتهم له : يقتضى قربهم منه في الدار . وسيأتي إن شاء اللّه تعالى ما يوافق ذلك . ومن ذلك : قول ابن إسحاق في خبر قصى « فولى قصى البيت وأمر مكة ، وجمع قومه من منازلهم إلى مكة » . انتهى . ووجه الدلالة من هذا : أنه يقتضى أن قصيا جمع قومه إلى مكة ، وكنانة من قومه ، فيكونون ممن جمعهم إلى مكة . ولا يعارض ذلك قوله - في الخبر الذي ذكره الزبير « فمشت إليه أشراف كنانة ، وقالوا : هذا عند العرب عظيم » - لإمكان أن يكونوا قالوا له ذلك ليرجع عن فعله ، لكونهم لا يألفونه . فلما رأوه لم يرجع وثبت : سكنوا معه فيه ، لما في ذلك من تحصنهم ، وبقاء الألفة بينهم وبينه ، لما يخشونه من حصول ضرر بهم في المفارقة في افتراقهم عنه . واللّه أعلم .