تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
وسار السلطان وقد اطمأن بعد ما كان خائفا فزعا ، فقدم بركة الحاج يوم السبت ثاني عشر المحرم سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة ، وصعد القلعة في موكب عظيم لم ير مثله ، ومشى على شقاق الحرير بفرسه وهو ضارب اللثام . وفرح الناس به فرحا زائدا ، ودقّت البشائر وطبلخانات الأمراء ثلاثة أيام ، وعملت الأفراح . وجلس في يوم الاثنين ، وخلع على سائر الأمراء والمقدمين ، وأنعم إنعاما عظيما . * * *

منسا موسى ملك التّكرور

أول من حج من ملوك التّكرور . ويقال إن أول من أسلم منهم ملك اسمه سرمندانه ، ويقال برمندانه . ثم حج منساولى بن ماري بن جاظة في أيام الملك الظاهر بيبرس ، ثم حجّ ساكبوره ، وكان قد تغلب على ملكهم ، وفتح بلاد كوكو ثم حج منسا موسى لما قدم إلى مصر سنة أربع وعشرين وسبعمائة بهدايا جليلة وذهب كثير ، فأرسل السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون المهمندار لتلقيه ، وركب به إلى القلعة في يوم الخدمة ، فامتنع أن يقبّل الأرض ، وقال للترجمان : « أنا مالكي المذهب ، ولا أسجد لغير اللّه » فأعفاه السلطان من ذلك ، وقرّبه وأكرمه ، وسأله عن سبب مجيئه ، فقال : « أردت الحج » ، فرسم للوزير أن يجهزه بكل ما يحتاج إليه . ويقال إنه قدم معه أربعة عشر ألف جارية برسم خدمته خاصة فأقبل أصحابه على شراء الجواري من الترك والحبوش والمغنيات والثياب ، فانحط سعر الذهب ستة دارهم . وقدّم منسا موسى هديته ، وخرج مع الركب بعد ما أوصى به السلطان الأمير سيف الدين أيتمش - أمير الركب - فسار ركبا وحده في ساقة الحاج حتى قضى حجه . وتأخر بمكة بعد الموسم أياما وعاد ، فهلك كثير من أصحابه وجماله بالبرد حتى لم يصل معه إلا نحو الثلث منهم ، فاحتاج إلى قرض مال كثير من التجار ، واشترى عدة كتب من فقه المالكية ، وأنعم السلطان عليه بخيول وجمال . وسافر إلى بلاده بعد ما تصدق في الحرمين بمال كثير . وكان إذا حدثه أصحابه في أمر كشفوا رؤوسهم عند مخاطبته عادة لهم . * * *