تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة الفرنسي تافرنيية إلى العراق — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
أن يراعي دليله . بينما كنت أنا بعكس ذلك ، فلا يمر يوم دون أن أنفح هذا الدليل بشيء ما . ولما كنا على رمية بندقية من عانة التقينا بشيخ طيب النفس ، أقبل إلي وأخذ بلجام حصاني وقال : « أيها الصديق ، هلمّ واغسل قدميك ، وكل خبزا في بيتي ، فإنك رجل غريب ، وبما أني لقيتك في الطريق فلا ترفضن هذا الطلب الذي أرجوه منك » . إن دعوة هذا الشيخ لتشبه عادة الناس في الأزمنة القديمة ، التي قرأنا أمثلة عديدة عليها في الأسفار المقدسة . ولم يكن منا إلا تلبية طلبه . فلما صرنا إلى بيته ألفيناه قد أعد لنا وليمة فاخرة ، إذ ذبح لنا خروفا ودجاجا ، كما أنه قدم لخيلنا علفا . لقد كان هذا الشيخ من سكان عانة ، وهو يقيم عند النهر الذي كان علينا عبوره لنراجع الحاكم في أمر جوازاتنا « 1 » التي دفعنا عن كل منها قرشين . ومكثنا في دار على مقربة من باب المدينة واشترينا ما نحتاج إليه من طعام لنا ولخيلنا . وكانت لصاحبة الدار طفلة في التاسعة من عمرها ، استهوتني بمرحها ، فأهديت إليها منديلين من نسيج قالقوط المبرقش ، فأرتهما الطفلة أمها ، فأبت الأم حينذاك ، أن تأخذ منا ثمن الطعام الذي أعطتنا إياه ، بعد أن كنا قد اتفقنا عل ثمنه . وعلى نحو خمسمائة خطوة من باب مدينة عانة ، مررنا بشاب من أسرة كريمة ، يرافقه خادمان ، وكان راكبا حمارا مؤخرته مخضبة بالحناء . فدنا مني مسلّما ، ثم قال : أمن الممكن أن ألاقي غريبا وليس عندي ما أهديه إليه ؟ لذلك حاول أن يأخذنا معه إلى بيته في الريف ، بيد أننا أصررنا على المضي في طريقنا ، فألح علي حينذاك أن أقبل غليونه دون أن يلتفت إلى اعتذاري عن قبوله منه بكوني لا أدخن . فما كان لي إلا أن أقبله ! وعلى نحو ثلاثة فراسخ من عانة ، بينما كنا ذاهبين لنأكل بين أخربة بيوت ومفكرين بالمكوث هناك حتى منتصف الليل ، أبصرنا أعرابيين جاءا من لدن الأمير ، ليخبرانا بأن عنده رسائل يبغي تسليمها لنا لإيصالها إلى باشا حلب . فعدنا أدراجنا إلى عانة إذ لم يكن
هامش
( 1 ) جوازات السفر ( الباسبورت ) أمر كان معروفا منذ القدم . راجع مقال : أجوزة السفر في العصور الإسلامية لميخائيل عواد ( مجلة الرابطة [ 1944 ] العدد 7 ، ص 165 . 168 ) .