تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة مصر والسودان — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
على عاتقه صلاتها وخراجها وكان قد هجرهما النظام ودخل بهما الفساد وساد فيهما الخصام الناتج عن زيادة الضرائب وسوء الاحكام . فأخذ في تخفيض الضرائب وحفر الترع فارتوت الأرض فزادت غلتها فشبع الزارع وربح التاجر فاستتب النظام وساد الامن وبلغ خراج مصر في السنة التي دخلها فيها جوهر 3400000 فلما رأى جوهر مناعة الديار المصرية ووفرة عزها لم يقنع لها بالفسطاط عاصمة فشرع ببناء مدينة جديدة جعلها قاعدة القطر المصري دعاها بالقاهرة . وكان نشييد المدن سنة عمومية في ملوك الاسلام إذ ذاك فكانوا يبتنون المدن وينقلون إليها عظمتهم والغالب ان يكون سبب بنائها ان يجعلوها حصنا لهم تقيم فيه رجالهم وجندهم ثم يبني حولها الناس . فقد كانت قاعدة المملكة المصرية في عهد الفراعنة منف ثم أبدلت بطيبة ثم بغيرها فغيرها إلى عهد اليونان فاستبدلت بالإسكندرية . ولما جاء المسلمون ابتنوا الفسطاط . حتى إذا كانت الدولة الطولونية استبدلت الفسطاط على نوع ما بالعسكر والقطائع إلى أن جاء جوهر القائد فرغب في تخليد ذكره وذكر مولاه فعمد إلى بناء عاصمة الفاطميين ليفاخر بها بغداد عاصمة العباسيين

« بناء القاهرة المعزية »

ففي سنة 359 ه شرع جوهر ببناء القاهرة فاختط بقعة من الأرض حيث أناخ جماله يوم جاء لفتح الفسطاط فإنه نزل إلى شماليها بين الجبل والخليج وكانت هذه البقعة رمالا ولما نزل فيها جوهر لم يكن فيها الا بساتين قليلة منها بستان كافور الأخشيدي شرقي الخليج وميدان الاخشيد ودير للنصارى كان يدعلى دير العظام فيه بئر تعرف ببئر الجامع الأقمر وتسميها العامة بئر العظمة . وكان في تلك البقعة موضع يعرف بقصير الشوك ثم عرف بعد بناء القاهرة بقصر الشوك . فأمر جوهر ببناء القاهرة في ذلك المكان وابتنى فيها قصرين أحدهما أكبر من الآخر عرفا بالقصر الكبير والقصر الصغير جعلهما لإقامة المعز عند قدومه إلى مصر . مكانهما الآن محل المحكمة الشرعية المعروف ببيت القاضي يتصل اليه من شارع النحاسين ففي نحو ثلاث سنوات ثم بناء القاهرة ( في أواخر سنة 361 ه ) وقد بني حولها السور وفيه الأبواب ولم يزل بعض اثارها باقيا إلى هذا العهد . فبعث جوهر إلى مولاه المعز بذلك فترك المنصورية التي بناها أبوه وسار قادما إلى عاصمته الجديدة مستخلفا على إفريقية وزيره يوسف بن زيرى فركب في عمارة بحرية إلى جزيرة سر دينيا ومنها إلى صقلية قضى فها بضعة اشهر يتفقد أحوالها ثم سار منها إلى طرابلس الغرب فالاسكندرية
رحلة مصر والسودان — صفحة 90 | محمد مهري كركوكي