في المسير اليه فجمع جنده وكانوا متفرقين في الساحل وساربهم حتى اتى بيت المقدس يوم الأحد 15 رجب سنة 583 ه . وكان به البطريرك المعظم عندهم وهو أعظم شانا من ملكهم . وبه أيضا باليان بن بيرزان صاحب الرملة وكانت مرتبته عندهم تقارب مرتبة الملك وبه أيضا من خلص من فرسانهم من حطين . وقد جمعوا وحشدوا واجتمع أهل تلك النواحي من عسقلان وغيرها فاجتمع به كثيرا من الخلق كلهم يرى الموت أيسر عليه من أن يملك المسلمون بيت المقدس ويأخذوه منهم ويرى أن بذل نفسه وماله وأولاده بعض ما يجب عليه من حفظه . وحصنوه تلك الأيام بما وجدوا اليه سبيلا . وصعدوا على سوره بحدهم وحديدهم مجمعين على حفظه والدفاع عنه بجهدهم وطاقتهم . مظهرين العزم على المناضلة دونه بحسب استطاعتهم ونصبوا المنجنيق ليمنعوا الدنومنه والنزول عليه . ولما قرب صلاح الدين منه تقدم أمير في جماعة من أصحابه غير محتاط ولا حذر فلقيه جمع من الصليبيين قد خرجوا من القدس فقائلوه وقاتلهم فقتلوه وقتلوا جماعة ممن معه . فاهم المسلمين قتله وفجعوا بفقده وساروا حتى نزلوا على القدس في منتصف رجب فلما رأى المسلمون على سوره من الرجال ما هالهم وسمعوا لأهله من الغلبة والضجيج من وسط المدينة ما استدلوا به على كثرة الجمع . وبقي صلاح الدين خمسة أيام يطوف حول المدينة لينظر من اين يقاتلها لأنها في غاية الحصانة والامتناع فلم يجد عليها موضع قتال الا من جهة الشمال نحو باب عمود أو كنيسة صهيون فانتقل إلى هذه الناحية في العشرين من رجب ونزلها ونصب تلك الليلة المنجنيقات فأصبح من الغد وقد فرغ من نصبها ورمى بها . ونصب الصليبيون على سور البلد منجنيقات ورموا بها وقوتلوا أشد قتال رآه أحد من الناس كل واحد من الفريقين يرى ذلك دينا وحتما واجبا فلا يحتاج فيه إلى باعث سلطاني بل كانوا يمنعون ولا يمتنعون ويزجرون ولا يزدجرون . وكان خيالة الصليبيين كل يوم يخرجون إلى ظاهر البلد يقاتلون ويبارزون فيقتل من الفريقين - وممن قتل من المسلمين الأمير عز الدين عيسى بن مالك وهو من أكابر الامراء وكان أبوه صاحب قلعة جعبر وكان يصطلى القتال بنفسه كل يوم فقتل . وكان محبوبا إلى الخاص والعام . فلما رأى المسلمون مصرعه عظم عليهم ذلك واخذ من قلوبهم فحملوا حملة رجل واحد . فازالوا الصليبيبن عن مواقفهم فادخلوهم بلدهم ووصل المسلمون إلى الخندق فجاوزوه والتصفوا إلى السور فنقبوه وزحف الرماة يحمونهم والمنجنيفات توالى الرمي لتكشف الصليبيين عن الاسوار ليتمكن المسلمون من النفب . فلما نقبوه حشوه بما جرت به العادة فلما رأى الصليبيون شدة قتال المسلمين وتحكم المنجنيفات بالرمي المتدارك وتمكن النقابين من ؟ ؟ ؟ وانهم قد أشرفوا على الهلاك
رحلة مصر والسودان — صفحة 115
مساهمون: محمد مهري كركوكي
ص١١٥