تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة مصر والسودان — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢

« اصلاحات صلاح الدين بمصر »

وعاد صلاح الدين من الشام إلى مصر في 20 محرم سنة 572 ه بعد ان استخلف أخاه طوران شاه على دمشق وكان قبل مسيره إلى الشام قد استخلف على مصر وزيره الأمير بهاء الدين الأسدي الخصي الفارسي . فعهد اليه تدبير الاحكام وامره ان يقيم البنايات اللازمة لرونق البلاد ومنعتها . فانفذ بهاء الدين ما عهد اليه بغيرة ونشاط وكانت الجسور المبنية لتنظيم مجرى النيل عند الفيضان قد أهمل شأنها مند تولى الخلفاء الفاطميون فإذا فاض النيل طغت مياهه على اليابسة وخربت الطرق وأفسدت الزرع . فمهد الطرق واحتفر الترع وأقام الجسور والسدود واستخدم لذلك بعض حجارة الأهرام الصغيرة التي كانت تحيط باهرام الجيزة وغيرها من أبنية المصريين القدماء . وأنشأ طريقا يمتد طولا على ضفة النيل فيقيها من صدمات المياه وتسهل علائق العاصمة بمصر العليا والسفلى . وشاد فوق الترعة التي كانت تجري بين الجيزة واهرامها جسرا عظيما مؤلف من أربعين قنطرة ولم يكن لصلاح الدين إذ ذاك مسكن الا القصران اللذان كانا للخليفة والوزير السابقين ولم يكونا منيعين حق المنعة فجعلهما منزلا لأمراء الدولة وقواد الجند وبنى في الطرف الشمالي من جبل المقطم على سفحه قلعة منيعة لا رهاب الأهالي إذا حاولوا العصيان وجعل فيها قصرا لبلاطه . وكان في ذلك المكان بناء قديم من عهد الدولة الطولونية يعرف بقبة الهواء فهدمه وأقام القلعة في مكانه واتى بحجارتها من خرائب منف والأهرام وغيرها فجاءت قلعة منيعة الجانب تشرف على كل المدينة وليس في القاهرة بناء آخر امنع موقعا من القلعة وهي لا تزال باقية إلى هذا العهد وتعرف بقلعة الجبل وقلعة القاهرة . واحتفر بهاء الدين في القلعة بئرا نقرا في الصخر عميقة جدا تسع كل ما تحتاج اليه الحامية من الماء ولا يزال البئر والقصر إلى هذه الغاية ويعرفان باسمه فالبئر يدعلى بئر يوسف ويظن بعض العامة انها سميت هكذا نسبة إلى يوسف الصديق ابن يعقوب والصحيح نسبتها إلى يوسف صلاح الدين الذي امر باحتفارها . والغالب ان هذه البئر كانت محفورة من أيام قدماء المصريين ثم طمرت بالرمال فأعاد صلاح الدين حفرها وما بقي من القصر يعرف بديوان يوسف أو ديوان صلاح الدين . وابتنى هذا الوزير أيضا حواصل كبيرة في الفسطاط لخزن الغلال التي ترد من الاعمال سنويا ولا تزال تدعلى إلى يومنا هذا بمخازن يوسف وقد ظن بعضهم انها من بناء فرعون في زمن يوسف الصديق