مولاكم وقتل عماه أباه وقد قتلتهما به كما ترون والواجب اخلاص الطاعة لهذا الطفل » فقالوا بأجمعهم « سمعنا وأطعنا » وصاحوا صيحة واحدة اضطراب منها الطفل وبال على كتف عباس وسموه الفائز وسيروه إلى أمه وقد اختل من تلك الصيحة فصار يصرع في كل وقت ويختلج
فاخذ عباس من ذلك الحين يدبر الأمور وانفرد بالتصرف ولم يبق على يده يد واما أهل مصر فإنهم اطلعوا على باطن الامر واخذوا في اعمال الحيلة على قتل عباس وابنه فكاتبوا بذلك الصالح طلائع بن رزيك الأرمني - وهو أبو الغارات الملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين كان قد سار إلى زيارة مشهد الإمام علي بن أبي طالب بأرض النجف من العراق في جماعة من الفقراء وكان من الشيعة الإمامية فتنبأ له الامام انه سيتولى مصر بناء على رؤيارآها في منامه فسار من ساعته إلى مصر وصار يترق في الخدم حتى ولى منية خصيب ( المنيا )
فلما صار أهل القصر إلى ما صاروا اليه كتبوا إلى طلائع وسألوه الانتصار لهم ولمولاهم والخروج على عباس وقطعوا شعورهم وسيروها في طي الكتاب وسودوا الكتاب فلما وقف الصالح عليه اطلع من حوله من الأجناد وتحدث معهم في المعنى فأجابوه إلى الخروج واستمال جمعا من العرب وساروا إلى القاهرة وقد لبسوا السواد فلما قاربوها خرج إليهم من بها من الامراء والأجناد والسودان وتركوا عباسا وحده فخرج عباس في ساعته من القاهرة وخرج معه ولده نصر ومعهما شيء من لمال وجماعة يسيرة من اتباعهم وقصدوا طريق الشام على أيلة في 14 ربيع أول سنة 549 هجرية . اما الصالح بن رزيك فإنه دخل القاهرة بدون قتال وما قدم شيئا على النزول بدار عباس المتقدم ذكره . واستحضر الخادم الصغير الذي كان مع الظافر ساعة قتله وسأله عن الموضع الذي دفن فيه فعرفه به وقلع البلاطة التي كانت عليه واخرج الظافر ومن معه من المقتولين فحملوا وقطعت لهم الشعور وانتشر البكاء والنواح في البلد ومشى الصالح والخلق قدام الجنازة إلى موضع المدفن في تربة الفاطميين
وتكفل الصالح بالخليفة الصغير ودبر أحواله . وأما العباس فان أخت الظافر كاتبت صليبيّ عسقلان بشأنه وسرطت لهم مالا جزيلا إذا امسكوه فخرجوا عليه والتقوا به فتواقعوا وقتلوا عباسا واخذوا ماله وولده وانهزم بعض أصحابه إلى الشام وفيهم ابن منقذ فسلموا . وسير الصليبيون نصر بن عباس إلى القاهرة تحت الحوطة في قفص من حديد . فلما وصل تسلم رسولهم ما شرطه من المال فاخذوا نصرا وضربوه بالسياط
رحلة مصر والسودان — صفحة 107
مساهمون: محمد مهري كركوكي
ص١٠٧