تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة فريزر إلى بغداد — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
إليهم فيسترجعونهم من الطريق بعد أن ييأسوا من عطف الغرباء عليهم . وقد خابت جهودي المخلصة كلها في إيجاد أي نوع من المساعدة المثمرة لنجدة أولئك الصغار الأبرياء ، وكانت أسرتي أيضا ليست في وضع تستطيع فيه تقديم أية مساعدة لهم حتى لو خاطرت بجلب العدوي إلى بيتي » . وفي الرابع والعشرين من الشهر أدى سقوط أحد جدران المقيمية بسبب المياه المترشحة في داخلها إلى قيام المستر غروفز بزيارتها مرة أخرى . فلم يصادف في طريقه إلى هناك ولا نسمة واحدة من الناس في الشوارع ، عدا الذين كانوا يحملون الجثث والأشخاص المصابين بالطاعون الوبيل . وكانت صرر الملابس ، من مخلفات الموتى ، ملقاة بالقرب من كثير من الأبواب . وقد أغلقت ساحة الجامع الكبير ، إذ لم يبق فيها مكان لهم . ولذلك كان الناس يحفرون القبور في جوانب الطرق ، وحتى في الطرق نفسها ، وفي كل بقعة فارغة أخرى . وبينما كان المستر غروفز يتحدث إلى الخادم الوحيد الذي بقي حيا من خدم الكولونيل تايلور في المقيمية تناهى إليه أن عمته ، التي كانت ثامن شخص من أقاربه يصاب بالعدوى ، قد قضت نحبها مثل غيرها . ومات هذا اليوم كذلك بائع مشهور من باعة قطن الأكفان ، بعد أن كان يستغل حلول النكبة ويبيع القطن بأسعار مرتفعة . ولذلك لم يبق في المدينة شيء من هذه السلعة . وارتفع سعر الحبال أيضا إلى أربعة أضعاف سعرها الأصلي . وبدلا من أن تدفن الجثث بموجب مراسيم الدفن المعتادة صارت تلقى حتى جثث الموسرين من الناس على ظهور البغال أو الحمير ثم تؤخذ لتدفن في حفرة من الحفر . ومما يذكره المستر غروفز أنه صادف في طريقه نساء عربيات كن يقمن بإيماءات غريبة تلفت النظر - وكأنهن كن يخاطبن بها اللّه عز وجل متعجبات من بقاء الإفرنج والكفار مثله على قيد الحياة ، بينما كان يموت ذلك العدد الكبير من المسلمين . فكان تأثير ذلك عليه شيئا مرعبا ومؤلما ، خاصة وقد كان في تلك اللحظة محاطا بالموتى وزمجرة الكلاب التي كانت تنهش بالجثث ( حتى قبل أن يسلم أصحابها الروح أحيانا إلى بارئها ) ، المختلطة بصراخ الأطفال الملقاة في قارعة الطريق ، الأمر الذي كان يتكوّن منه منظر مفزع فظيع لا يمكن أن ينمحي من ذاكرته .