تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة فريزر إلى بغداد — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
وفي أثناء هذا الصراع الرهيب مع الموت كانت المناظر المحيطة ببيت المستر غروفز وأسرته على مقدار كبير من الكآبة والعسر ، مع كل ما حبتهم به العناية الإلهية من تحاشي المرض الحقيقي وأخطاره . فمن الدربونة الصغيرة المقابلة لهم كانوا قد شهدوا بأم رأسهم خمسة وعشرين جثة تحمل إلى الخارج ، وكانوا على علم بوجود عدة أشخاص مرضى فيها . وفي إحدى الدور التي كانت تحتوي على ثماني أنفس لم يبق سوى شخص واحد على قيد الحياة ، وعلى الشاكلة نفسها لم يبق من الثلاثة عشر شخصا الذين كانت تضمهم دار أخرى بقربها سوى نفر واحد . ولم تكن هذه حوادث فريدة في بابها بأي حال من الأحوال . فمن مجموع الثمانية عشر خادما وسپاهيا الذين كان الكولونيل تايلور قد تركهم لرعاية المقيمية لم يبق في نهاية الشهر غير أربعة ، وحتى هؤلاء أصيب اثنان منهم بعد ذلك ففارقا الحياة . وكان في المؤسسة التابعة للمستر غروفز خمسة معلمين للغتين العربية والأرمنية ، فأتى الموت على كل واحد منهم وأزالهم من الوجود . ومع كل هذا السيل الجارف من الموت الذي كان يكتسح الناس زرافات ووحدانا ، لم يقلل المرض من ضراوته ولم يتناقص عدد الوفيات اليومية . فقد تجمع السكان الباقون في بقع أضيق فأضيق من المدينة بتأثير الغرق الذي داهم الكثير من محلاتها ، فهيأ ذلك لسهام الطاعون ونباله أهدافا أوضح ومقاتل أسهل نيلا . ولا غرو فإن تدفق السكان من المناطق المغمورة بالماء على البيوت الملوثة من قبل قد هيأ للوباء ضحايا جديدة ، فبقيت جثث الموتى وهي تنفث سمومها في جميع باحات البيوت وفسح المدينة ، وتملأ الشوارع فتربك الحالة فيها . ولم يكن هذا القضاء المخيف على الأرواح البشرية مقتصرا على المدينة وحدها ، فإن قافلة كبيرة إلى دمشق كانت قد غادرت بغداد في بداية أمر الطاعون ، لكنها أخذت العدوي المميتة معها وصادفت في طريقها بالإضافة إلى ذلك عدوا آخر لا يقل عن الطاعون قدرة على الفتك والدمار ، وهو الفيضان . فالتجأت إلى بقعة من الأرض مرتفعة ارتفاعا نسيبا وبقيت محاصرة هناك لمدة أسابيع ثلاثة كان الماء خلالها يضيق الخناق عليها باستمرار ويقلل